فيما أرى
عادل الباز
1
ولأضع أمام القارئ منذ البداية ما قد يراه البعض سبباً لهذا الدفاع: *نعم، آمنة ميرغني زميلة دراسة، وحق الزمالة محفوظ*، عرفتها منذ سنوات الدراسة واحدة من أذكى أبناء دفعتنا، ثم مضت بعد الجامعة في طريق مهني طويل، بنت خلاله خبرة مصرفية حقيقية من داخل بنك السودان المركزي نفسه، قبل أن تتسع تجربتها في العمل المصرفي خارجه.
ولذلك، حين أدافع عنها اليوم، فإنني *أفعل ذلك بحق الزمالة وبحق الحقيقة معاً*. ومن واجب الزميل أن يقول كلمة الحق حين يرى زميله يتعرض لهجوم يراه مجافياً للإنصاف، كما أن من واجبه ـ إن أخطأ ـ ألا يحول الزمالة إلى ستار يحجب الخطأ.
ولو كان اعتراضي على مقال الاستاذ الطاهر ساتى ( اصلاح الراتب) متعلقاً بسياسة نقدية أخفقت فيها آمنة، أو قرار أضر بالاقتصاد، أو تقصير يمكن إثباته بالأرقام، لما منعتني الزمالة من نقدها. لكن أن تتحول محاكمة محافظ البنك المركزي من سياساتها ونتائجها إلى راتبها، وأن يُقدَّم راتبها وكأنه امتياز اخترعته لنفسها، ثم تُفسَّر مراجعة السياسات النقدية في اقتصاد حرب مضطرب باعتبارها دليلاً بذاته على «التخبط»، فهنا يصبح الصمت عن الظلم *خذلاناً للزمالة وللحقيقة معاً* ولذلك يجوز أن نختلف مع امنه ، ويجوز أن نحاسبها، بل يجب أن نحاسبها؛ *لكن فلنحاسبها على ما فعلته، لا على ما نريد أن ننسبه إليها*.
لا أطلب للطاهر ولا لغيره أن يجامل آمنة ، ولا أطلب حصانة لها من النقد. بالعكس، محافظ بنك السودان يجب أن يكون تحت أشد رقابة الصحافة والرأي العام، لأن القرارات التي تصدر من مكتبه تمس لقمة عيش كل سوداني. لكن هناك *فرقاً كبيراً بين النقد والمطاردة، وبين المساءلة والتجريح، وبين تفكيك سياسة نقدية بالأرقام وتحويل راتب موظف إلى دليل إدانة لشخصه*.
حق الزمالة يدفعني للدفاع عنها، نعم؛ *لكن الذي يمنح هذا الدفاع مشروعيته ليس الزمالة، وإنما الوقائع*. فإذا أثبتت الوقائع غداً أنها أخطأت، فسأقول إنها أخطأت. أما اليوم، فما أراه أن جانباً مهماً مما تتعرض له ليس نقداً منصفاً لسياساتها بقدر ما هو هجوم لا تسنده الأدلة التي تبرر قسوته.
(1)
شنّ الصديق الأستاذ الطاهر ساتي اليوم هجوماً عنيفاً على محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني، واختار مدخلاً مثيراً لا شك فيه: *راتب المحافظ ومخصصاتها*
*الشفافية في الراتب شيء، وتحويل الراتب وحده إلى إدانة سياسية أو مهنية شيء آخر*. فالسؤال ليس: كم تتقاضى؟ بل: هل تم اعتماد ما تتقاضاه وفق القانون؟ وهل أدت سياساتها إلى نتائج يمكن قياسها ومناقشتها؟..
والطاهر لم يثر قضية الراتب مجردة، وإنما أراد أن يقول: كيف تتقاضى المحافظ كل هذه الأموال بينما يتراجع الجنيه ويتخبط البنك في سياساته؟
وهذا سؤال مشروع، لكن الإجابة عنه لا تبدأ من مقارنة راتب محافظ البنك المركزي براتب المعلم أو الطبيب أو الجندي. تلك مقارنة عاطفية مؤثرة وغير عادلة، لكنها اقتصادياً لا تقول لنا شيئاً.
فالسؤال الصحيح هو: *كم ينبغي أن ندفع لمن نأتمنه على العملة الوطنية، واحتياطيات البلاد، والجهاز المصرفي، والسياسة النقدية، وسوق النقد الأجنبي؟ وكم تبلغ قيمة هذه الكفاءة نفسها في السوق المصرفية الإقليمية والدولية*؟
(2)
لنبدأ من الرقم الذي أثار غضب الطاهر.
بحسب الأرقام التي أوردها هو نفسه، راتب آمنة ميرغني *44 مليون جنيه شهرياً*، ثم أضاف مخصصات تعادل 8 أشهر للإجازة، و6 أشهر للعيدين، و5 للملابس، و10 أشهر حافزاً سنوياً، و9 أشهر للعلاج.
فلنحسبها بدلاً من أن نفزع منها.
هذه المخصصات مع الرواتب الاثني عشر تعادل 50 راتباً شهرياً في السنة. اضرب 50 في 44 مليوناً، يكون إجمالي ما ذكره الطاهر 2.2 مليار جنيه في السنة.
وبسعر الدولار الذي أورده الطاهر نفسه، أي 6,300 جنيه، يصبح الإجمالي نحو 349 ألف دولار سنوياً.
هل هذا كثير إذا قارناه ببعض أعضاء مجالس الادرات للشركات الحكومية الذين يجتمعون في مرتين في العام *ويتقاضون ١٦٠ الف دولار* او إذا قارناه بسوق العمل الدولى الذي تأتي منه آمنة ميرغني؟ سنرى
(3)
قبل أن تأتي آمنة إلى هذه *الجبانة الهايصة* كانت تعمل في القطاع المصرفي خارج السودان بنك الساحل والصحراء ، وكان دخلها ومزاياها أعلى بكثير مما تحصل عليه الآن.
وحين طُلب منها العودة لتولي بنك السودان لم تتردد ولم تسال عن مخصصاتها، امنه لم تكن امرأة عاطلة تبحث عن وظيفة، بل مصرفية تتخلى عن حزمة مالية دولية لتدخل بلداً في حرب، عملته تتهاوى، موارده شحيحة، وبنكه المركزي يعمل في ظروف ربما لا يعمل في مثلها أي بنك مركزي في العالم.هذه الحقيقة ينبغي أن تدخل الحساب قبل النظر ل «44 مليون جنيه التي تساوي تقريباً 7000 دولار فقط بحساب الموازى اليوم!.
(4)
ولنخرج من السودان قليلاً ، في أفريقيا، تختلف المرتبات وفق حجم الاقتصاد وسوق الكفاءات ودرجة الإفصاح، لكن المبدأ واحد: محافظ البنك المركزي ليس موظفاً عادياً في السلم الوظيفي. ففي جنوب أفريقيا، بلغ إجمالي ما تقاضاه محافظ بنك الاحتياطي الجنوب أفريقي، ليسيتجا كغانياغو، خلال السنة المالية 2023/2024 نحو 9.72 مليون راند، شاملاً الراتب والمزايا المتكررة والمزايا الأخرى. وبمتوسط سعر صرف عام 2024، يعادل ذلك قرابة 530 ألف دولار سنوياً، أو نحو 44 ألف دولار شهرياً الجنيه أ.
فهل يعني ذلك أن أجنوب افريقيا «*أصلحت راتب مدير البنك* ولم تصلح أحوال المواطنين بجنوب افريقيا؟*بالطبع لا*
*إنهم ببساطة يعرفون أن المؤسسات التي تدير المال والأسواق تحتاج إلى كفاءات تستطيع غداً أن تنتقل إلى مؤسسات تدفع أضعاف ذلك* .*
*المقصود* أن إدارة النقد والاحتياطيات والقطاع المصرفي وظيفة متخصصة عالية المسؤولية، وأن تقييم أجر شاغلها ينبغي أن يبدأ من القانون، وحجم المسؤولية، وسوق الكفاءات، لا من مقارنته الحرفية برواتب بقية موظفي الدولة فهو اختزال لا يصمد أمام أي نقاش اقتصادي جاد.
لذلك، يبقى السؤال الجاد: *هل حُدد راتب المحافظ* ومخصصاته عبر جهة مختصة وبسند قانوني واضح؟ وهل يمكن مساءلة سياساتها وقراراتها بنتائج وأرقام محددة؟ أما جعل الراتب، في حد ذاته، دليلاً على مسؤوليتها عن تراجع .
(5)
والأهم أن قانون بنك السودان نفسه لا يتعامل مع المحافظ باعتباره موظفاً عادياً في الخدمة المدنية.فالمادة التاسعة من قانون بنك السودان تنص على تعيين المحافظ ونائبيه من ذوي «المؤهلات والكفاءة والخبرة»، وعلى أن تحدد الجهة التي تعينهم شروط خدمتهم. كما يلزم القانون المحافظ بتخصيص كل وقته المهني للبنك ويحظر عليه، كأصل عام، شغل وظيفة أخرى أو ممارسة عمل آخر بأجر أو بدونه
إذن عقد المحافظ ليس «درجة وظيفية» في كشف المرتبات؛ إنه عقد لشغل واحد من أخطر المناصب الاقتصادية في الدولة تقدير استحقاقاته يعود لمن استدعاه ووظفة ويعرف كفاءته ومايستحقة من راتب وامتيازات. *نواصل*.