الدكتور يوسف عايدابي
(٢ )
( في خرطوم ما بعد الإستقلال ورومانيا و خرطوم السبعينيات والمعهد )
في خرطوم ما بعد الإستقلال ، التي كانت تشهد حراكاً ثقافياً وسياسياً وإجتماعياً عريضاً ، نفر عايدابي من التقليدية بكل أشكالها وانحاز إلى الطليعية ( حاولنا تقديم بعض النصوص في الجامعة على شاكلة مختلفة ، فمثلاً محمد عبد الحي وأنا وأبوذكرى وعلي عبد القيوم كنا نناقش ونقرأ للوركا ومايكوفيسكي و بعض الأدباء . وكنا نكتب مطولات بسيطة بها نفس ملحمي ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org ) ثم شكل مع ثلاثة من رفاقه جماعة الغابة والصحراء الشهيرة التي يقول عنها د. خالد المبارك ( أخذت الجماعة في مطلع الستينيات من القرن الماضي إسمها من عبارة للشاعر السينيغالي ليوبولد سينغور عن تصور لتلاحم إفريقي يشمل شمال القارة ووسطها وجنوبها ووجد صدى في السودان حيث الفرق الجغرافي والسكاني والديني بين الشمال والجنوب ) ( البقعة ، 2006، ص 6) بينما يقول عايدابي ( توصلنا إلى هذه الصيغة ( الغابة والصحراء ) وقد يكون مصدرها من زنوجة سينغور أو من أمريكا اللاتينية أو قد تكون من فرانز فانون أو أطروحات كثير من الناس ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org ) و هنا –أيضاً- لاحظ هذا الكم من التواضع وإنكار الذات .ثم نظر في أمر الحياة المسرحية فوضع نظريته الشهيرة (مسرح لعموم أهل السودان ) وقدم أمثلة لتطبيقاتها في عدد من النصوص المسرحية كان أشهرها مسرحية (حصان البياحة ) التي قدمها المسرح القومي في موسم ( 73/1974) … و مرة أخرى يمتص عايدابي رحيق حياة الخرطوم الثقافية و يترك – مع زملائه – تلك الآثار التي ما يزال الوسط الثقافي –حتى يوم الناس هذا – يسهر جراها ويختصم . وفي الجامعة بدأ دراسة القانون المفضي إلى الوظائف المرموقة في السلك القضائي ، ولما أدرك أن هذا المسار سيقوده حتماً إلى التجاذب بين الوظيفة وممارسة الأدب والفن ترك درسة القانون باحثاً عن دراسة الفن ( بدأت بدراسة القانون ثم تركت القانون ودرست السينما في رومانيا ) (عصام 2006 : www.sudan-for all.org )
في رومانيا درس عايدابي السينما ، ولم يكتفي بتحصيل علومها وفنونها ، بل انخرط في الحياة السينمائية الرومانية فصنع عدداً من الأفلام أثبتت قدراته العالية ( أنجزت بعض الأعمال هناك حاز بعضها على جوائز مثل فيلم ( مياه كالثور الهائج ) وقد تناولنا فيه آثار سيول شهدتها رومانيا ، كان فيلماً تسجيلياً يحكي معاناة الناس من أجل الحياة ومغالبتهم السيول ، أنجزت أيضاً بعض الأعمال القصيرة ) (عصام 2006 : www.sudan-for all.org ) . إذن فعيدابي قد إمتص رحيق السينما في رومانيا ولم يغادرها إلا بعد أن ترك آثاره في شكل أفلام نكاد نجزم بأنها قد وجدت مكانها في تاريخ السينما هناك.
بعد عودته من رومانيا إنضم إلى مصلحة الثقافة ، وبها إنحلت معضلة التجاذب بين الوظيفة وممارسة الأدب والفن .فبدأ العمل مع ثلة من السينمائيين السودانيين بقسم السينما في مصلحة الثقافة و بمؤسسة الدولة للسينما في إنجاز عدد من الأفلام السينمائية . وقبل أن يكتمل مشروعه السينمائي ، غازلته وزارة الثقافة والإعلام بحبه القديم للمسرح حين قررت تأسيس معهد للموسيقى والمسرح والفنون الشعبية بقيادة الموسيقار بروفسير الماحي إسماعيل فكان يوسف عايدابي أول رئيس لقسم المسرح ثم أصبح ثاني مدير (عميد) للمعهد بعد هجرة الماحي لألمانيا.
محطة معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية هي محطة هامة في حياة يوسف عايدابي . المعهد عنده هو المكان الأصلح لإحداث التحول في الحياة الفنية السودانية بالإنتقال من مرحلة الممارسة الفطرية العشوائية إلى الدراسة الأكاديمية القاصدة ، وهي فكرة أساسية ظل د.عايدابي مؤمناً بها ودفعته إلى السير في خط التحصيل الأكاديمي حتى تحصل على درجة الدكتوراه . ولما جاءته الفرصة ليرى هذه الفكرة حية تسعى وسط الممارسين للفنون الأدائية ، لم يتردد في المشاركة في تأسيس قسم المسرح بالمعهد .
أما كلمة (الفنون الشعبية ) الموجودة في إسم المعهد عند تأسيسه ، فأحسب أنها كانت جاذبة لعايدابي من باب إهتمامه ، كأحد مؤسسى الغابة والصحراء ، بالمزاوجة و التلاقح بين مكونات الثقافات السودانية المختلفة وفنونها الشعبية . غير أنه –وللأسف – لم يقدر لقسم الفنون الشعبية أن يؤسس بجانب رفيقيه قسم الموسيقى وقسم المسرح .
درّس عايدابي طلاب دفعات المعهد الأولى فنون التمثيل والإخراج ( بمعاونة الأستاذ فتح الرحمن عبد العزيز القادم من دراسة المسرح في بلغاريا ). واستخدم علاقاته في إجتذاب بعض كبار أساتذة جامعتي (الخرطوم) و ( القاهرة –الفرع ) لتدريس المواد النظرية .. ثم إن طلاب الدفعات الأولى –أنفسهم- كانوا مزيجاً من نجوم المسرح والموسيقى المعروفين ومعلمي النشاط الثقافي بالمدارس وخريجي المدارس الثانوية ،كل هذا التجمع خلق بيئة ثقافية فريدة . وعيدابي ، وإن كان من صناع هذه البيئة ، فإنه قد تلاقح مع كل هؤلاء فامتص من رحيقهم المختلف الألوان والأطعمة فلم يكن غريباً أن تكون كل مسرحياته المعروفة لدينا قد كتبت في تلك الفترة وهي : العصفورة والممثلون 1972 ، حصان البياحة 1973 و تاه 1976 .
إن أثر يوسف عايدابي على الحياة الثقافية والفنية في السودان عبر معهد الموسيقى والمسرح يعتبر من آثاره الكبيرة الباقية في الكلية القائمة حالياً (كلية الموسيقى والدراما التابعة لجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ). ولعل فكرة تقديم عروض تخرج الطلاب لعامة جمهور المسرح في العاصمة السودانية تمثل موسماً مسرحياً سنوياً تحرص أعداد كبيرة من الجماهير على مشاهدته . هذه الفكرة إختطها عايدابي مع زملائه بالمعهد وبدأ تنفيذها مع تخرج الدفعة الأولى عام 1973 و ما تزال الكلية تحافظ على هذا التقليد إلى يومنا هذا. ونلاحظ أنه قد عاد مرة أخرى ليساهم في تأسيس الأكاديميات عندما وجد فرصة تأسيس أكاديمية للفنون الأدائية في الشارقة مؤخراً.
و لعل فترة السبعينيات التي شهدت نهضة ثقافية كبيرة ، كان لعايدابي سهم واضح فيها إذ كان له نشاط كبير في الصحف السودانية وعلى رأسها صحيفة (الرأي العام ) محرراً للملاحق الثقافية بجانب تقديم البرامج في الإذاعة والتلفزيون و مؤلفاً وناقداً مسرحياً وقدم أطروحة مهمة أطلق عليها (مسرح لعموم أهل السودان ) وجدت صداها في مسرحياته وعروض الآخرين .. إلا أنه – وهو في قمة نشاطه – ضاق هامش الحرية فهاجر إلى الخليج .