د. الصديق علي بابكر
ليس سهلاً أن تكتب عن رجل كنت تعرفه، ثم تجد نفسك مضطرًا إلى الكتابة عنه بعد أن صار بينك وبينه الموت.
فبعض الناس نقرأ عنهم فنحاول أن نعرفهم، وبعضهم نلتقيهم فنحاول أن نحتفظ بهم في الذاكرة، أما الذين يجمعون بين العلم الرفيع وحسن المعشر ودفء الحضور، فإن غيابهم لا يكون خبرًا نقرأه، وإنما فراغًا نشعر به في الأماكن التي كانوا يملأونها حضورًا.
هكذا شعرت وأنا أستقبل خبر رحيل الأخ والصديق وأستاذي، البروفيسور التجاني عبد القادر حامد، الذي غيّبه الموت في دوحة العرب، المدينة التي أقام فيها سنوات، وترك في قاعاتها ومجالسها وبين أهلها وأصدقائها أثرًا لا تختصره السيرة الأكاديمية ولا صفحات الكتب.
عرفت الفقيد البروفيسور التجاني عبد القادر في العاصمة القطرية الدوحة، برفقة الأخ العزيز الأستاذ عادل الباز، الذي كان كثيرًا ما يجمعنا به في مكتبه، حيث كانت تلك الجلسات تتسع دائمًا لأصدقاء وإخوة سودانيين، وتتحول من لقاء عابر إلى مجلس تتقاطع فيه السياسة والفكر والتاريخ وشؤون السودان، ثم تنتهي غالبًا بقدر من الأنس والحديث الإنساني الذي يجعل المرء لا يريد للمجلس أن ينتهي.
ومع مرور الأيام، لم تعد علاقتنا به محصورة في تلك اللقاءات، فقد صرنا نلتقيه في مناسبات اجتماعية مختلفة، وكان الفقيد في كل مناسبة حاضرًا كما عرفناه: أنيقًا في حضوره، هادئًا في حديثه، عميقًا في نظرته، وقريبًا من الناس، على الرغم من المكانة العلمية الرفيعة التي كان يتمتع بها.
كان يستمع كما كان يتحدث، وحين يتحدث تشعر أنك أمام رجل لم تكن المعرفة بالنسبة إليه زينة ثقافية، وإنما طريقة في النظر إلى الحياة.
وأنا أكتب عنه اليوم، لا أريد أن أضيف سطرًا آخر إلى السيرة السياسية والأكاديمية الطويلة للتجاني عبد القادر، فقد كتب عنها الآخرون.
أريد أن أكتب عن التجاني الإنسان الذي سيبقى في الذاكرة؛ عن الأستاذ الذي لم يكن يمنعه علمه من أن يكون قريبًا من الناس، وعن المثقف الذي لم يتحول علمه إلى جدار بينه وبين الآخرين، وعن السودان الذي ظل يحمل شيئًا من ريف السودان في روحه، في بساطته، ودفء حديثه، وفي تلك القدرة على أن يجعل من المجلس مكانًا للألفة، لا مجرد منصة للكلام.
فنحن لم نفقد اليوم كتابًا يمكن أن نعيد قراءته، ولا بحثًا يمكن أن نعود إليه، ولا محاضرة يمكن أن نشاهد تسجيلها، نحن فقدنا صاحب كل ذلك. فقدنا صوتًا عرفناه، ووجهًا ألفناه، ومجلسًا كان يكتمل بحضوره.
ولعل هذا هو الفقد الذي لا تستطيع السيرة الذاتية أن تصفه، فالسيرة تحفظ الأسماء والدرجات والكتب والمواقف، لكنها لا تستطيع أن تحفظ نبرة الصوت، ولا طريقة الابتسام، ولا دفء اللقاء، ولا ذلك الشعور الذي يتركه الإنسان في نفوس من جلسوا إليه وعاشوا معه تفاصيل الحياة.
بالأمس، ونحن نودعه إلى مثواه الأخير في الدوحة، كان المشهد يقول شيئًا ربما لا تستطيع السيرة الذاتية أن تقوله.
فقد جاء الذين عرفوه، وجاء الذين اختلفوا معه. وجاء الذين أحبوه. وجاء تلاميذه وأصدقاؤه وأهل الفكر والمعرفة.
فإذا بنا نعزي بعضنا بعضًا، وكل واحد منا كان يعزي نفسه فيه.
فكانت تلك لحظة تختصر كثيرًا من سيرة الرجل.
أدركت حينها أن بعض الناس لا يكون رحيلهم فقدًا لأسرهم وحدهم، ولا لأصدقائهم وحدهم، ولا حتى لتلاميذهم وحدهم، بل يصبح رحيلهم فقدًا عامًا؛ لأنهم كانوا جزءًا من الذاكرة المشتركة لجماعة من الناس، والفقيد كان واحدًا من هؤلاء.
لقد غادرنا جسدًا، لكن أمثال التجاني لا يغادرون تمامًا، إذ تبقى أفكارهم في الكتب، وأسئلتهم في عقول تلاميذهم، ومواقفهم في ذاكرة الناس، ووجوههم في ذاكرة الأصدقاء.
وبالنسبة لنا، نحن الذين جلسنا إليه وعرفناه، سيبقى أيضًا في مكان آخر لا تصل إليه الكتب، سيبقى في الذاكرة، في مجلس عادل الباز، في تلك الجلسات التي كانت تجمعنا حوله، في ابتسامته وحديثه الهادئ، وفي ذلك الحضور الأنيق الذي لم نكن نعرف أننا سنفتقده بهذه السرعة.
لقد كنا نراه بالأمس، ولم نكن نعرف أن بعض اللقاءات تكون الأخيرة دون أن تخبرنا بأنها الأخيرة.
وربما هذه واحدة من أقسى حقائق الموت: أن الإنسان لا يعرف أنه يعيش لحظته الأخيرة مع من يحب.
يا تجاني، نم هانئًا، فقد تركت وراءك من يشهد لك بالإيمان والعلم، ومن يشهد لك بالموقف، ومن يشهد لك بالخلق، ومن يشهد لك بالمحبة.
أسأل الله أن يجعل علمك الذي نشرته، والفكر الذي تركته، والناس الذين أحببتهم وأحبوك، شاهدًا لك لا عليك، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأن يلهم أسرتك وتلاميذك وأصدقاءك ومحبيك الصبر وحسن العزاء.
لقد رحلت عن أعيننا، لكنك لن ترحل عن ذاكرتنا، وستظل بعض المجالس ناقصة، وبعض الأحاديث تفتقد صوتًا، وبعض الأماكن تذكرنا بأن صاحبها كان هنا ذات يوم.
ولا نقول إلا ما يرضي الله: (إنا لله وإنا إليه راجعون).