إبراهيم احمد الحسن
(1)
قالت انها جاءت من أُم بادر ، في السادسة من العمر خرجت من بيت الجيران لتلعب معنا في الشارع ، رذاذ مطر الأُبيض المدينة العروس يكاد لا ينقطع ، منتصف النهار والشمس غائبة محتجبة ، ملابسنا نصف مبتلة ، نجلس على الرمال ولا تتسخ ملابسنا ، نبدأ في تشييد المباني والعمائر ، شَيّدْتُ فصل المدرسة وعمارة من وحي الخيال ، شَيَدّتْ هي في براعة قطية صغيرة وجعلت لها باب صغير وحاولت أن تثبت ما يشبه العلم في قمة القطية لم تمهلها المطرة التي اشتدّت وتسارع إيقاع تساقط حباتها فهرعنا نجري صوب أقرب بيت وكان بيتنا وقفنا في مدخل الصالة المفتوحة نترقب توقف المطرة حتى نخرج لنعاود اللعب .
(2)
وكما المطرة التي لم تمهل بنت أُم بادر لإكمال قطيتها الجميلة لم تمهلها الأيام لاكمال قصة حياتها . كانت كل ما توقفت المطرة عن الهطول نخرج للشارع للعب وكانت تسبقنا هي الي هناك ، تُشَيِّد بيوت من قطاطي ونُشَيِّد فصول المدرسة وعمائر من الخيال .
(3)
وقبل أن يتوقف موسم الخريف غابت عن الشارع وإفتقدنا لاعب أساسي كان ينير مضمار اللعب بحضور طاغي جميل . في ذاك اليوم بعد أن فرغت من تشيد فصل المدرسة بالرمال لم أشيد عمارة من عمارات الخيال بل شرعت في تشييد قطية بنت أُم بادر التي غابت يومها . وقفنا نتأمل البناء ، إكتمل البناء ولم تكتمل الفرحة ، صحيح أن القطية كانت تشبه تلك التي إعتادت صغيرة
أُم بادر تشييدها كل مرة إلا انه كان ينقصها لمسات أناملها الصغيرة وهي تضغط على الرمال المبتلة في رفق فتصنع خطوط هندسية رائعة وتصنع الدهشة والحب في مضمار اللعب .
(4)
توقفت المطرة وهرعنا نجري الي الشارع ، نتلفت ناحية بيت الجيران نترقب خروج صغيرة أُم بادر ، نترقب بمنتهى الإلفة حضور إنسان (صورته مختلفة ) ، لم تخرج ، وقفنا أمام باب البيت لحظات قليلة ثم جرينا نحو مضمار اللعب .
(5)
وهناك علت أصواتنا والكل يريد ان يكون هو من يبني قطية بنت أُم بادر الغائبة . لسبب لا أدري كنهه قلت لرفاقي الصغار بل أنا الذي سيشيد القطية ، لم يقبلوا ورفضوا منحي ميزة.. إعتبروها بمشاعرهم البريئة ظلم ماحق وتغول لا مبرر له ، تجادلنا قليلا قبل أن نتفق على أن نتشارك كلنا في تشييد قطية بنت أُم بادر ، وبسرعة إنتهينا من المهمة النبيلة ، أكملنا البناء وشيدنا القطية قبل الفصل في المدرسة والعمارات وكشكول مباني الصغار .وقفنا نتأمل ما صنعناه ، صفقنا لأنفسنا بحرارة ، انتظرنا هنيهة ثم قمنا بهدم البناء عندما إشتدّت المطرة وجرينا نحو البيوت .
(6)
وأعدنا الكرة في اليوم الثالث ولم تظهر بنت أُم بادر الصغيرة ، زهدت في البناء استغرب رفاقي الصغار ، لم أبن فصول المدرسة ولا عمارت الخيال ، ولم يشيد الصغار كشكول مبانيهم . جلسنا ساعة تحت رذاذ المطر ولم ننتظر حباتها حتى يتلاحق هطولها وتشتد ،لملمنا أطرافنا ورجعنا البيوت بلا بناء .
(7)
سألنا عن صغيرة أُم بادر في اليوم الرابع ، فعرفنا انها في المستشفى تعانى وعكة ألمت بها ، اعتكفنا في بيوتنا ولم نخرج للعب تأثرا . لم نستسيغ اللعب حزناً وبنت أُم بادر غائبة بل كانت حاضرة ببذخ في غيابها الحزين .
(8)
وفي اليوم السادس سمعنا صافرة عربة الإسعاف (الكومر) وهي تشق السمع بنواح فيح بحة وحشرجة زوؤام ، يختلط نواح الصافرة بأزيز الرعد وهدير السحب التى عندما ترتطم ببعضها تصنع البرق وتفرق حممها صاعقة تنزل الي الارض. وينزل علينا الخبر الصاعقة فقد ماتت الصغيرة بنت أُم بادر ، وها هو الإسعاف يحملها من المستشفى إلى بيت الجيران . ثم ها هي امها تنزل من الإسعاف باكية تصيح وتنوح ، وها هو جثمان الصغيرة يحمله رجل واحد بكلتا يديه ويدخل به البيت . تسمرنا نحن في الشارع عند مضمار اللعب ننظر بقايا القطية ومباني فصول المدرسة وحطام عمارات الخيال وهدم جدران كشكول مباني الصغار ثم ينتقل بصرنا الي حيث يقف الإسعاف ننظر اليه ، يستدير به سائقه بحركة بهلوانية لينصرف ، ويختفي الرجل الذي يحمل جثمان بنت أُم بادر إلى داخل بيت الجيران .
(9)
الليلة والليلة دار أُم بادر يا حليلها بريد زولي كانت تغنيها لنا بصوت شجي ونحن نستمع في طرب صغير ( زولاً سرب سربة خت الجبال غربا ..بريد زولي ) ..ولم نلبث هنيهة حتى رأينا جثمان الصغيرة سرب سربا وخت البيوت غربه ، ويمّم موكب التشييع الصغير وجهه شطر المقابر . لم نتبع جنازة بنت أُم بادر الصغيرة ، ولم نعد إلى مضمار اللعب نبني !
(9)
ولكنني وعندما نظرت أُسرتها الصغيرة تحمل عذالها لتعود الي ام بادر بعد انتهاء عطلة المدرسة التي لن تعود اليها ابداً صغيرة أُم بادر كان لي رد فعل عفوي وتلقائي .
رأيت عربة الاجرة تحمل ركب أُم بادر الي محطة اللواري ثم تختفي عند نهاية الشارع حينها ركضت نحو مضمار اللعب جلست عنده وحدي بنيت قطية كبيرة وانا أدندن باللحن الحزين ( الليلة والليلة دار أُم بادر يا حليلها بريد زولي ) (زولاً سرب سربا خت الجبال غربا بريد زولي ) ثم جعلت في اعلى القطية علمين صغيرين كل منهما كان شاهد على قبر الصغيرة الراحلة بنت أُم بادر ، ويومها لم ابن غير القطية وإنصرفت في حزن طاغي تملكني وملأ أقطار نفسي. وصارت الأُغنية لا تمثل شئ عندي سوى الرحيل ( زولاً سرب سربا وخت الجبال غربا ..بريد زولي ) .
(10)
وبعد خمس عقود من عمر الزمان عائداً من الغربة البطالة أستغل بص الأبيض ذات عيد من الأعياد ينقلني الي هناك ، والسائق يشغل شريط كاسيت يغني فيه( الليلة والليلة …. ) ذهبت الي السائق في مقدمة البص ، رجوته أن يغير الشريط ، لم يناقشني بل طفق يبحث في الخازينة أمامه عن شريط بديل . مددت له شريط (جدي الريل ) ل بلوم الغرب عبدالرحمن عبدالله .. يغني فيه جدي الريل أبو قزيمة تعال نتمشى في الغيمة ! وحملتني الغيمة إلى هناك .. إلى مضمار اللعب ونحن نشيد بيوت ومباني من رمال . أشيد أنا فصل المدرسة وعمائر الخيال وتشيد بت أُم بادر قطية أنيقة وهي تدندن ( الليلة والليلة دار ام بادر يا حليلها بريد زولي ) وأدندن من الكرسي ٣ في البص (سايرين نعيد في دار الإبيض ) و… ( زولاً سرب سربا خت البلاد غربا بريد زولي …)وأزيد (الليلة والليلة بنت أُم بادر يا حليلها ! ) .. وتاني نهاجر ونحن نغني ( زولاً ستر حالها في الغربة البطالة) بريد زولي !!