خالد البلولة
(١)
كتب الزميل محمود الدنعو مقالًا رصينًا عن الصحافة الورقية في صفحته على فيسبوك. ينطلق فيه من كتاب الأستاذ عبد الله رزق عن (أفول الصحافة الورقية في السودان)،ليؤكد أن أزمتها بدأت قبل الحرب بسبب ضعف البنية الاقتصادية وغياب الحريات، ثم جاءت الحرب لتسرّع انهيارها و ظل متمسكًا بإمكانية بقاء الصحافة الورقية،قبل أن تفرض جائحة كورونا ثم الثورة الرقمية واقعًا جديدًا.
(٢)
ويخلص الدنعو إلى أن التحدي،في دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى صناعة الأخبار، مستشهدًا بإطلاق مؤسسة (أنابورنا) النيبالية منصة إخبارية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.ورغم تأكيد القائمين عليها أن القيم الصحفية ستظل أساس المهنة، يعبر الكاتب عن مخاوفه من أن يكون الصحفيون أنفسهم مهددين بالانقراض، وأن عصر الصحافة التقليدية يقترب من نهايته ما لم ينجح الصحفي في التكيف مع التحول الرقمي والمفارقة ان الدنعو غادر الصحافة الورقية منذ عام 2021،ومع ذلك ظل يكتب وينشر ويمارس مهنة الصحافة بشكلها الحديث.
كما أعاد الزميل النذير إبراهيم العاقب نشر مقال كتبه عام 2022 عن الصحافة الورقية،أولى فيه الصحافة أهمية قصوى، وأشار إلى دورها في خدمة المجتمعات،وعدد الخدمات التي تقدمها وناشد الحكومة الكف عن محاكمة الصحفيين إلا بموجب قانون الصحافة وأمام المحاكم المدنية.
(٣)
هاتان الشهادتان تؤكدان حقيقةً واحدة وهي أن الأزمة ليست في الورق،وإنما أزمة فهم لدور الصحافة.فالصحافة ليست صحيفة مطبوعة،وإنما رسالة ومهنة تقوم على البحث عن الحقيقة،وتنوير الرأي العام،ومراقبة السلطة،وكشف مواطن الخلل والفساد في الدولة والدفاع عن حق الناس في المعرفة
ستبقى الصحافة،وتؤدي دورها نحو المحتمع سواء جاءت مطبوعة على الورق أو معروضة على شاشة هاتف أو جهاز لوحي.
(٤)
فالورق أحد أوعية الصحافة والذي تغيّر عبر التاريخ لم يكن الرسالة،بل الوسيلة التي تحملها..فقد انتقلت الصحافة من الرصاص إلى الأوفست،ومن الورق إلى المواقع الإلكترونية، ثم إلى الهواتف الذكية ومنصات التواصل،والذكاء الاصطناعي بينما بقي جوهرها قائم على الخبر الموثوق،والتحليل الرصين والمهنية.
(٥)
اعتقد إن الأزمة الحقيقية للصحافة ليست في الورق ولا في الشاشة،وإنما في قدرة الصحافة على المحافظة على قيمها الأساسية وسط عالم يتغير بسرعة.فإذا فقدت الصحافة مصداقيتها ومهنيتها فلن ينقذها الورق، وإذا حافظت على رسالتها فلن يضرها أن تنتقل من الورقة إلى اللوح الإلكتروني، أو إلى أي منصة أخرى يبتكرها المستقبل..