رأي

غياب وزير المعادن… والأسئلة التي طاردت لقاء مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية

بقلم: محمد عثمان الرضي

◆ في العمل العام، لا تصنع المؤتمرات الصحفية قيمة المسؤول، وإنما تصنعها الإجابات التي يقدمها للرأي العام. أما المنصات التي تُرفع عليها عناوين الإنجاز وحدها، وتُترك فوقها الأسئلة الثقيلة بلا إجابة، فإنها تتحول إلى مناسبة لإثارة علامات الاستفهام أكثر من كونها مناسبة لتبديدها.

◆ بهذا الفهم، يمكن قراءة اللقاء الذي جمع المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، محمد طاهر عمر، بعدد من الصحفيين في الخرطوم، وهو لقاء كان ينتظر منه الشارع أن يقترب من الملفات الساخنة، فإذا به يقترب من بعضها ويبتعد عن بعضها الآخر.

◆ تحدث الرجل بثقة عن زيادة إنتاج الذهب، وأكد أن الشركة تؤدي دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الوطني، وهي حقيقة لا ينكرها أحد، فالتعدين أصبح أحد أهم الروافد التي يعول عليها السودان في هذه المرحلة الدقيقة.

◆ كما استعرض جهوده في احتواء الخلاف بين والي ولاية كسلا اللواء معاش الصادق الأزرق وناظر عموم قبائل الهدندوة، وعدّ ذلك جزءاً من مسؤولية الشركة في تهيئة البيئة المستقرة للإنتاج والاستثمار.

◆ غير أن الرأي العام، بطبيعته، لا يكتفي بما يريد المسؤول الحديث عنه، وإنما يظل منشغلاً بما لم يتطرق إليه.

◆ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

◆ فما دام الذهب هو عماد الاقتصاد السوداني اليوم، فإن السؤال الأول الذي ينتظر الإجابة يتعلق بتهريب الذهب، ذلك النزيف الذي ظل يستنزف ثروة البلاد لسنوات طويلة.

◆ أين وصلت جهود مكافحة التهريب؟ وما حجم التنسيق مع الأجهزة المختصة؟ وما هي النتائج التي تحققت على الأرض؟ أسئلة كان ينتظر الناس أن يسمعوا بشأنها حديثاً واضحاً.

◆ لأن زيادة الإنتاج تظل إنجازاً ناقصاً إذا ظل جزء من هذا الإنتاج يغادر البلاد بعيداً عن القنوات الرسمية.

◆ ثم يأتي ملف المسؤولية المجتمعية، وهو ملف لا يقل أهمية عن الإنتاج نفسه، لأنه يمثل حق المجتمعات التي تتحمل أعباء التعدين وآثاره.

◆ ومن حق تلك المجتمعات أن تعرف كيف تُحصَّل أموال المسؤولية المجتمعية، وكيف تُدار، وبأي معايير توزع، ومن هي الجهة التي تراقب عدالة صرفها.

◆ فالشفافية ليست منحة تقدمها المؤسسات، وإنما التزام يفرضه المال العام.

◆ كما ظل ملف الأمن في مناطق التعدين غائباً عن طاولة الحديث، رغم ما يتردد عن تعرض بعض المناجم لاعتداءات مسلحة وعمليات سلب وترويع للعاملين.

◆ وهذه قضية لا تحتمل الصمت، لأن الاستثمار لا يزدهر في بيئة يسبق فيها صوت السلاح صوت القانون.

◆ وكان من المنتظر أن يقدم اللقاء رؤية واضحة حول حجم هذه التحديات، والإجراءات التي اتخذت لمعالجتها.

◆ كذلك لم يتطرق المدير العام إلى ما يتداول بشأن انتهاء فترة عقده، وما إذا كانت هناك إجراءات رسمية للتجديد أو لاختيار قيادة جديدة.

◆ ومثل هذه القضايا لا تُحسم بالشائعات، وإنما بالمعلومة الرسمية التي تضع حداً لكل اجتهاد.

◆ كما غابت الإشارة إلى طبيعة التمويل الذي صاحب الفعاليات والاحتفاءات التي أقيمت خلال زياراته إلى ولايات الشرق، وهي مسألة تستحق قدراً من الإيضاح، لأن الإفصاح هو الطريق الأقصر إلى بناء الثقة.

◆ لكن أكثر ما استوقف المتابعين لم يكن ما قيل داخل القاعة، وإنما من غاب عنها.

◆ فقد غاب وزير المعادن عن لقاء يتناول قضايا ترتبط بقطاع التعدين، وهو غياب يظل مشروعاً أن يثير التساؤلات.

◆ فالوزارة هي المظلة التي تعمل تحتها الشركة، والوزير هو المسؤول السياسي الأول عن القطاع، ومن ثم فإن حضوره في مثل هذه اللقاءات كان سيمنحها بعداً مؤسسياً أشمل ورسالة أوضح.

◆ وليس المقصود من إثارة هذا التساؤل إطلاق الأحكام أو صناعة التأويلات، وإنما التأكيد على أن وضوح العلاقة المؤسسية بين الوزارة والشركة يصب في مصلحة الجميع.

◆ فالفراغ المعلوماتي هو البيئة الخصبة لكل رواية غير مكتملة.

◆ وفي التجارب الإدارية الناجحة، لا تتقدم المؤسسات بأداء مديريها وحدهم، وإنما بتكامل الأدوار بين جميع مستويات القيادة.

◆ ولذلك، فإن الرأي العام لا يبحث عن مسؤول يتحدث وحده، وإنما عن مؤسسة تتحدث بصوت واحد.

◆ كما أن الصحافة ليست منصة للتصفيق، وإنما شريك في الرقابة المجتمعية، وحقها في السؤال لا يقل أهمية عن حق المسؤول في عرض إنجازاته.

◆ وكلما اتسعت مساحة الأسئلة، اتسعت معها مساحة الثقة.

◆ وكلما حضرت الشفافية، غابت الشائعات.

◆ ويبقى قطاع التعدين أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، لأنه يمثل أحد أعمدة الاقتصاد السوداني. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تتحول اللقاءات الإعلامية إلى منصات للمكاشفة الكاملة، وأن تُفتح أبوابها أمام كل الأسئلة، لأن قوة المؤسسات لا تُقاس بحجم ما تقوله، بل بقدرتها على الإجابة عما يود الناس معرفته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى