تقارير

حرب إيران تلتهم ترسانة أميركا.. وهل أصبح ردع الصين وروسيا موضع سؤال؟

عن تحقيق Wall Street Journal — 29 أغسطس 2026
بعد ستة أشهر من حرب إيران، لم يعد السؤال الأكبر في واشنطن هو حجم الضرر الذي لحق بطهران، وإنما ما الذي بقي في المخازن الأميركية إذا اندلعت أزمة أخرى؟
هذا هو السؤال الذي يبني عليه تحقيق موسع نشرته وول ستريت جورنال اليوم حول الاستنزاف غير المسبوق للذخائر الأميركية.
لم تدخل الولايات المتحدة الحرب وهي تتوقع أن تستمر نصف عام. كان التصور الأولي أن التفوق الجوي والصاروخي الأميركي، مع الضربات الإسرائيلية، سيشل القدرات الإيرانية خلال فترة قصيرة ويجبر طهران على القبول بشروط سياسية قاسية. لكن إيران لم تنهَر، وواصلت إطلاق الصواريخ والمسيّرات، واضطرت الولايات المتحدة إلى استخدام كميات ضخمة من منظومات الاعتراض لحماية قواعدها وحلفائها.
المشكلة أن أهم الأسلحة المستهلكة ليست ذخائر يمكن تصنيعها بالملايين في مصانع مدنية؛ إنها صواريخ متطورة وباهظة الثمن تحتاج إلى سلاسل إنتاج متخصصة وأوقات طويلة.
وتشير الصحيفة إلى نقص شديد في صواريخ PAC-3 المستخدمة في منظومة Patriot، وإلى ضغط مماثل على صواريخ منظومة THAAD وبعض الأسلحة الهجومية الدقيقة.
والأكثر إثارة للقلق أن واشنطن لم تكتف باستخدام مخزوناتها الموجودة في الشرق الأوسط. اضطرت إلى نقل صواريخ ومعدات من أوروبا ومن مناطق أخرى في العالم إلى الجبهة الإيرانية.
بحسب التقرير، بلغ وضع بعض مخزونات Patriot في أوروبا مستويات يصفها مسؤولون بأنها شديدة الخطورة. وأجبر هذا القيادة الأوروبية الأميركية على مراجعة خططها العملياتية.
وهنا تتجاوز المسألة إيران.
الصاروخ الذي يُطلق اليوم لاعتراض صاروخ إيراني هو الصاروخ نفسه الذي قد تحتاجه قاعدة أميركية في أوروبا إذا توسعت الحرب الروسية، أو اليابان وكوريا الجنوبية في أزمة آسيوية، أو القوات الأميركية وحلفاؤها في حالة صراع حول تايوان.
وبذلك بدأت الحرب الإيرانية تربط ثلاث جبهات كان المخططون العسكريون الأميركيون يحبون التعامل معها منفصلة: روسيا، الصين وإيران.
ويقول البنتاغون والبيت الأبيض إن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على تنفيذ التزاماتها العسكرية، لكن التحقيق يكشف أن المسؤولين في الداخل يتعاملون مع المشكلة بجدية أكبر بكثير من الرسائل العلنية.
زيادة الإنتاج ليست حلاً فورياً. مصانع الصواريخ تحتاج إلى خطوط إنتاج وعمال مهرة ومكونات إلكترونية ومحركات ومواد متخصصة، ولا يمكن مضاعفة الإنتاج بمجرد تخصيص الأموال.
والسؤال الأكثر حساسية يتعلق بتايوان. فالتقديرات الأميركية لحرب محتملة في غرب المحيط الهادئ تفترض استهلاكاً هائلاً للصواريخ الدقيقة خلال الأيام والأسابيع الأولى. وإذا دخلت الولايات المتحدة مثل هذه الحرب بعد استنزاف مستمر في الشرق الأوسط، فسيجد البنتاغون نفسه أمام نوع من المفاضلة بين المسارح لم يكن يريد الوصول إليه.
الأمر نفسه يظهر في أوكرانيا. فكييف تحتاج إلى اعتراضات Patriot لحماية مدنها وبنيتها الكهربائية من الهجمات الروسية، لكن كل صاروخ يُرسل إلى أوكرانيا أصبح ينافس احتياجات الشرق الأوسط والاحتياطيات الأميركية.
وهذا يفسر جزئياً تحول إدارة ترامب خلال الأسابيع الأخيرة من التركيز على القوة العسكرية إلى محاولة خنق إيران اقتصادياً. الاقتصاد ليس بديلاً مثالياً للحرب، لكنه أرخص من الاستمرار في إطلاق صواريخ عالية التقنية بوتيرة لا تستطيع المصانع تعويضها.
الدلالة الاستراتيجية الأعمق هي أن الولايات المتحدة تملك جيشاً يفوق خصومها تكنولوجياً، لكنها لا تملك بالضرورة قاعدة صناعية مصممة لحرب استنزاف طويلة ومتزامنة.
وقد تكون طهران أدركت ذلك.
فإذا كان بإمكان دولة أضعف بكثير من الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً أن تفرض عليها استهلاك مخزون عالمي من الاعتراضات طوال ستة أشهر، فإن الصين وروسيا ستدرسان هذه التجربة بعناية شديدة.
لهذا ربما يكون أكبر أثر لحرب إيران خارج الشرق الأوسط هو أنها كشفت للعالم أن التفوق العسكري الأميركي الهائل لا يساوي مخزوناً غير محدود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى