تقارير

حميدتي في أديس أبابا .. والبرهان إلى نيويورك وجوبا تفتح باب الوساطة في حرب السودان وحمدوك في المشهد

وصل قائد قوات الدعم السريع (المتمردة) محمد حمدان دقلو «حميدتي» إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، اليوم الجمعة، في زيارة وصفت قناة «الحدث» بأنها رسمية وليست بروتوكولية، في أحدث تحرك خارجي له بعد زيارة سريعة إلى جوبا في 12 أغسطس. ويأتي ذلك في توقيت تتحرك فيه عواصم إقليمية لفتح قنوات اتصال حول الحرب، من القاهرة إلى جوبا وأديس أبابا، بما يجعل إجراءات تخفيف القيود على الحركة التجارية إحدى الإشارات التي يمكن قراءتها في إطار أوسع لحسن النوايا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود رابط معلن بين هذه التطورات.

وفي جوبا، كان رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت قد أعلن استعداد بلاده للتواصل مع جميع الأطراف واستخدام قنواتها الدبلوماسية لتشجيع الحوار والمصالحة والتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع. ولا تُعرف حتى الآن الصفة التي سيتحرك بها حميدتي خلال الزيارة، ولا جدول أعمالها الكامل، أو ما إذا كان سيلتقي مسؤولين إثيوبيين أو أطرافاً من القوى السياسية والمدنية السودانية الموجودة في العاصمة، لكن وصف الزيارة بأنها رسمية وليست بروتوكولية يمنحها أهمية تتجاوز مجرد المرور بالعاصمة التي تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي. فأديس أبابا هي عاصمة إثيوبيا ومقر الاتحاد الأفريقي في الوقت نفسه، غير أن استقبال الحكومة الإثيوبية لحميدتي يجعل للزيارة، إلى جانب بعدها الأفريقي، بعداً ثنائياً واضحاً بينه وبين الحكومة الإثيوبية.

وتزداد حساسية التوقيت مع اتساع الحرب إلى إقليم النيل الأزرق، على الحدود مع إثيوبيا، حيث تتهم الحكومة السودانية أديس أبابا بتقديم دعم أو تسهيلات لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها إثيوبيا وفي 27 أغسطس، أعلن الجيش السوداني إسقاط مسيّرة قال إنها عبرت الحدود من اتجاه إثيوبيا وكانت متجهة إلى منطقة سُركم في النيل الأزرق.

وهكذا يصل حميدتي إلى أديس أبابا في وقت أصبحت فيه الحدود الإثيوبية نفسها جزءاً من المشهد العسكري والسياسي للحرب.استكشاف علوم الفلك

ليست المرة الأولى

حميدتي يعرف أديس أبابا جيداً.

ففي ديسمبر 2023، وصل إلى العاصمة الإثيوبية ضمن أولى جولاته الخارجية بعد اندلاع الحرب، وأجرى مباحثات مع مسؤولين إثيوبيين تناولت تطورات السودان والجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

لكن أهمية أديس أبابا بالنسبة إلى حميدتي لا تتوقف عند تلك الزيارة.

ففي 2 يناير 2024، شهدت العاصمة الإثيوبية لقاءً بين حميدتي وعبدالله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» آنذاك. ويأتي وصول حميدتي إلى أديس أبابا بينما تتحرك عواصم أفريقية وإقليمية حول الحرب السودانية، في وقت كانت فيه جوبا، على مسار آخر ومتزامن، قد فتحت باب الوساطة بين الأطراف السودانية.

وفي القاهرة، جاء في اليوم نفسه تطور جديد يضيف مساراً مصرياً–أميركياً إلى هذا الحراك.

فقد أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الجمعة 28 أغسطس، اتصالاً هاتفياً مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، تناول تطورات الأوضاع في السودان والجهود الإقليمية والدولية لدعم الأمن والاستقرار فيه.

وأكد عبد العاطي أهمية مواصلة الجهود لدعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية، وضمان النفاذ الآمن والمستدام للمساعدات الإنسانية إلى مختلف أنحاء البلاد، والعمل على تهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية وقيادة سودانية. وتضع هذه المكالمة القاهرة في مسار اتصال مباشر مع واشنطن بشأن السودان، في اليوم نفسه الذي وصل فيه حميدتي إلى أديس أبابا، وبعد أيام من اتصالات مصرية–أميركية تناولت أيضاً تطورات السودان والقرن الأفريقي.

وفي سياق متصل، برز تطور داخل المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، () المتمردة) مع صدور قرار حمل الرقم (12) بتاريخ 23 أغسطس، موقّع باسم الفريق عبد الرحيم حمدان دقلو، بشأن فك حظر نقل الماشية والمحاصيل.

وبحسب نص القرار المتداول، جرى فك الحظر المفروض على نقل الماشية والمحاصيل الزراعية داخل جميع المناطق الخاضعة لسيطرة متمردي الدعم السريع، والسماح بنقلها إلى الولايات والمناطق المختلفة، مع توجيه الوحدات والارتكازات بعدم التعرض للشاحنات والناقلات التي تحمل الماشية والمحاصيل والسماح لها بالمرور بعد التحقق من هويتها. وإذا ثبتت صحة الوثيقة، فإن القرار يتجاوز مسألة تنظيم المرور، إذ يشير إلى محاولة لإعادة فتح حركة السلع والماشية والمحاصيل عبر مناطق السيطرة، وإعادة تنظيم واحدة من أهم القنوات الاقتصادية التي تعطلت بفعل الحرب.

لكن أهمية أديس أبابا بالنسبة إلى حميدتي لا تتوقف عند تلك الزيارة.

ففي 2 يناير 2024، شهدت العاصمة الإثيوبية لقاءً بين حميدتي وعبدالله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» آنذاك.

وانتهى اللقاء إلى توقيع «إعلان أديس أبابا» بين قوات الدعم السريع و«تقدم»، وتضمن تفاهمات بشأن وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات والدخول في مسار سياسي.

كانت تلك محطة سياسية لافتة جمعت حميدتي والقوى المدنية في هذه العاصمة نفسها.

واليوم، بعد أكثر من عامين، يعود حميدتي إلى أديس أبابا، بينما تستضيف العاصمة الإثيوبية مرة أخرى حراكاً للقوى السياسية والمدنية السودانية.

ولا توجد، حتى الآن، معلومات معلنة تؤكد أنه سيلتقي هذه القوى أو عبدالله حمدوك خلال الزيارة الحالية. لكن السابقة موجودة، والمكان نفسه عاد إلى واجهة المشهد.

القوى المدنية تعود إلى أديس أبابا استضافت أديس أبابا خلال الأيام الماضية اجتماعاً لقوى سياسية ومدنية سودانية بدعوة من الآلية الخماسية، ناقش مستقبل الحرب والعملية السياسية.

وأعلنت القوى المشاركة رفضها دعوة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان للحوار بصيغتها المطروحة، كما أعلنت دعمها للمشروع الأميركي المتعلق بتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان.

وبذلك تستقبل أديس أبابا، في فترة زمنية قصيرة، مسارين سودانيين مختلفين: قوى مدنية وسياسية تبحث عن صيغة للحوار والسلام، وقائد قوات الدعم السريع، أحد طرفي الحرب، يصل في زيارة رسمية تقول «الحدث» إنها ليست بروتوكولية.

ولا يعني وجود الطرفين في العاصمة نفسها أن لقاءً بينهما سيحدث.

ولا توجد معلومات معلنة حتى الآن عن مثل هذا اللقاء.

لكن هذه هي أديس أبابا نفسها التي شهدت قبل أكثر من عامين لقاء حميدتي وحمدوك وإعلاناً سياسياً بين قوات الدعم السريع والقوى المدنية.

وفي جوبا.. مسار آخر

في الوقت الذي تتحرك فيه أديس أبابا بهذا الشكل، كانت جوبا تفتح مساراً مختلفاً.

ففي 12 أغسطس، وصل حميدتي إلى العاصمة الجنوب سودانية قادماً من أبوظبي، والتقى رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، في زيارة سريعة قبل أن يغادر في اليوم نفسه، بحسب تقارير سودانية لكن زيارة حميدتي إلى جوبا لم تتحول إلى إعلان عن مسار تفاوضي أو وساطة لصالح قوات الدعم السريع.

وبعد أيام، جاء تطور آخر وعلى مسار مختلف.

في 17 أغسطس، التقى سلفا كير بحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، وأعلن استعداد جنوب السودان للتواصل مع جميع الأطراف السودانية، وتشجيع الحوار والمصالحة والتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.

وطلب مناوي من سلفا كير الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في الدفع نحو وقف الحرب ودعم وحدة السودان، إلى جانب المساهمة في الملفات المرتبطة باتفاق جوبا للسلام.

ولا توجد واقعة منشورة تثبت أن زيارة حميدتي إلى جوبا كانت سبباً في إعلان سلفا كير للوساطة.

فهما حدثان منفصلان.

لكن توقيتهما المتقارب يضعهما في سياق إقليمي واحد تتحرك فيه عواصم ودول ومنظمات وقوى سودانية حول الحرب ومآلاتها.

مناوي.. أحد عشر يوماً في جوبا

كان مناوي أحد أبرز خيوط هذا التحرك. وصل حاكم إقليم دارفور إلى جوبا في 10 أغسطس، وبقي فيها حتى 21 أغسطس على الأقل، في إقامة امتدت نحو أحد عشر يوماً.

وخلال وجوده في العاصمة الجنوب سودانية، لم يقتصر حديثه على العلاقات بين السودان وجنوب السودان، بل تحدث عن ضرورة إنهاء الحرب عبر حوار سوداني–سوداني يجمع مختلف القوى دون إقصاء أو تمييز.

ثم التقى سلفا كير، قبل أن يغادر في جولة إفريقية وإقليمية، التقى خلالها مسؤولين وشخصيات سياسية وتحدث عن الحرب والسلام ومستقبل العملية السياسية السودانية.

وبذلك تحولت جوبا خلال أسابيع قليلة إلى محطة لتحركات سودانية متوازية، فيما فتحت الحكومة الجنوب سودانية قناة معلنة للتواصل مع الأطراف السودانية.

جوبا.. دولة جوار تدفع ثمن الحرب

ولدى جوبا دوافع مباشرة للتحرك.

جنوب السودان يستقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين السودانيين، ويرتبط أمنه الحدودي بصورة مباشرة بالحرب، بينما يعتمد اقتصاد البلاد على النفط الذي يمر عبر الأراضي السودانية إلى بورتسودان.

كما أن العلاقة مع السودان لا تتوقف عند الحدود. فملفات النفط واتفاق جوبا للسلام وأمن الحدود تجعل استمرار الحرب السودانية قضية تمس مصالح جنوب السودان مباشرة.

ومن هنا تأتي وساطة سلفا كير من موقع دولة جوار تريد احتواء حرب تدفع ثمناً مباشراً لاستمرارها. القاهرة والخرطوم.. خيوط أخرى

وليس الاتصال المصري–الأميركي اليوم منفصلاً عن تحرك القاهرة الأوسع في الملف السوداني.

ففي الخرطوم، كان الأمين التنفيذي لإيغاد وركنه جيبيهو قد زار العاصمة في 30 يوليو، والتقى القيادة السودانية، في عودة مباشرة للمنظمة إلى الملف السوداني، كما زار وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي الخرطوم في أغسطس.

وأكد المجلس تمسكه باحترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ورفض التدخلات الخارجية ومحاولات إنشاء كيانات أو حكومات موازية تمس وحدة البلاد، وهو موقف ينسجم مع مواقف إقليمية أخرى، بينها مصر والسعودية، كما عبرت تركيا وباكستان في مجلس الأمن عن رفض إنشاء أجسام موازية في السودان.

حظر السلاح.. استحقاق دولي يقترب

وتأتي هذه التحركات الإقليمية في وقت يقترب فيه استحقاق دولي مهم، فالولايات المتحدة دفعت باتجاه توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، مع مقترحات تشمل الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا المرتبطة بها. وينتهي نظام الحظر الحالي في 12 سبتمبر، ما يجعل ذلك التاريخ محطة مهمة في مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه، أعلنت القوى السياسية والمدنية التي اجتمعت في أديس أبابا دعمها للمشروع الأميركي، وهذا الموقف يضعها في مواجهة سياسية إضافية مع الحكومة السودانية، التي ترى أن توسيع الحظر على كامل السودان يعاقب الدولة في وقت تخوض فيه حرباً ضد قوات الدعم السريع.

البرهان إلى نيويورك.. مسار موازٍ

وبعد ذلك ينتقل جزء آخر من المشهد إلى نيويورك.

وينتظر أن يصل رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في 24 سبتمبر للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلقاء كلمة السودان. وقد سبق للبرهان أن شارك في اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك وألقى كلمة السودان أمامها، وتأتي زيارة البرهان هذه المرة في سياق مختلف عن زيارته السابقة إلى نيويورك.

فالقوات المسلحة استعادت السيطرة على الخرطوم، وتراجع الدعم السريع إلى مواقع في دارفور، فيما عزز الجيش خلال الفترة الماضية علاقاته الإقليمية، من مشاركته في التحالف الدفاعي للبحر الأحمر مع السعودية وباكستان، إلى علاقاته المتنامية مع تركيا، التي شهدت زيارة لرئيس أركانه إلى أنقرة.

وفي المقابل، يواجه البرهان ضغوطاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج، تدفع باتجاه هدنة أو تسوية سياسية، فيما يتحرك في مجلس الأمن ملف توسيع حظر الأسلحة والعقوبات المرتبطة بالحرب، وبذلك يصل البرهان إلى نيويورك من موقع مختلف عن المرة السابقة: جيشه داخل العاصمة، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً دولية متزايدة حول كيفية إنهاء الحرب ومسار ما بعدها.

وفي التوقيت نفسه، أشارت تقارير سودانية إلى احتمال وجود عبدالله حمدوك في نيويورك ضمن تحركات مجموعة «صمود» التي يقودها، وإذا تأكد وجود البرهان وحمدوك في المدينة نفسها، فستكون نيويورك مسرحاً جديداً لتحركين سودانيين متوازيين، في وقت يكون فيه ملف حظر السلاح قد دخل مرحلة دولية أكثر حساسية.

أكثر من عاصمة.. وأكثر من مسار حميدتي الآن في أديس أبابا.

أديس التي شهدت قبل أكثر من عامين لقاءه بحمدوك وإعلاناً سياسياً مع القوى المدنية، تستضيف اليوم أحد طرفي الحرب، فيما كانت قبل أيام تستضيف قوى مدنية تبحث عن موقع في التسوية، وفي جوبا، فتح سلفا كير باب الوساطة، بعد تحركات سودانية وإقليمية متزامنة، بينها إقامة مناوي التي امتدت نحو أحد عشر يوماً، وفي الخرطوم تتحرك إيغاد ومجلس السلم والأمن الأفريقي، وفي القاهرة تتواصل الاتصالات الإقليمية، فيما فتحت واشنطن مع القاهرة اليوم قناة اتصال مباشرة جديدة حول السودان.

وفي نيويورك يقترب البرهان، وقد يظهر حمدوك في المدينة نفسها، بينما يتحرك مجلس الأمن حول حظر السلاح، لا تقول هذه الوقائع إن مساراً واحداً يدير كل شيء، لكنها تقول إن السودان حاضر الآن في أكثر من عاصمة، وأكثر من طاولة، وأكثر من محاولة لصياغة الطريق إلى ما بعد الحرب، ويبقى ما سيحدث في أديس أبابا وجوبا ونيويورك هو الاختبار: هل تظل هذه المسارات متوازية، أم تتقاطع على طريق الحوار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى