رأي

خان وحامد الجنسية واستحقاقها

الفاتح عبدالله
هبط الطبيب الباكستاني إلى مصر قادمًا من بريطانيا ليعيش فيها، وكانت مصر بالنسبة إليه أم الدنيا التي ينشد الحياة فيها. وسرعان ما تأقلم مع إيقاعها، وابتلت عروقه بماء النيل، وغاص في طقوسها ومناخها اللذين يأسران كل زائر لها. وأصبح الطبيب النطاسي رئيسًا للجالية الباكستانية في أرض الكنانة، مسخرًا وقته لخدمة أبناء بلده.
ومن محاسن الصدف أنه التقى شابة فائقة الجمال، تنحدر من أصول إيطالية، وتحمل الجنسية المصرية، وكانت تقيم في مصر. فقرر الارتباط بها لتصبح زوجته وعضده في مسيرة الحياة.
وفي مطلع الأربعينيات رُزقت الأسرة بطفل بدت على ملامحه منذ الصغر بوادر الإبداع، وأحاطت به أمارات الفراسة والوسامة، فأطلق عليه والداه اسم محمد.
ونشأ محمد في بيئة مصرية خالصة، بعدما أرسله والداه إلى مدرسة حكومية، وظل ملازمًا لأبناء النيل طوال مراحله الدراسية.
ولم يكن الطبيب خان يدري أن ابنه محمد، الذي أكمل دراسة الإخراج في لندن، سيصبح يومًا ما عراب مدرسة الواقعية في السينما العربية، وأحد أبرز منظّري الإخراج، وأنه سيشكّل، رفقة أصدقائه عاطف الطيب، وبشير الديك، وسعيد شيمي، أحد أعمدة الموجة الثانية للسينما المصرية، من خلال تعبيرهم الصادق عن حياة المواطن المصري، والغوص في قضايا المجتمع المصري والعربي، والبحث عن حلول لها.
وأجاد محمد خان تصوير الشخصية المصرية في أعماله السينمائية، مثل: الحريف، وضربة شمس، وزوجة رجل مهم، وبنات وسط البلد، وغيرها من الأعمال.
كما أجاد العمل على الحوار وبناء القصة، مما مكّنه من تقديم أحمد زكي، وعادل إمام، ويسرا، وفاروق الفيشاوي، وليلى علوي في عدد من الشخصيات التي لا تُنسى. وكان ذلك واضحًا عندما استبدل أحمد زكي بعادل إمام في فيلم الحريف، لعدم اتفاقه مع أحمد زكي بشأن ملامح الشخصية.

كرّس محمد خان حياته كلها لمصر، وشعبها، ونيلها، وأهراماتها، ولم يساوره يومًا شك في أنه ليس مصريًا، حتى رفع الشعب المصري يومًا حواجب الدهشة والاستغراب متسائلًا: “هو إيه؟ محمد خان مش مصري؟”

وكان ذلك اليوم الذي مُنح فيه المخرج محمد خان، الباكستاني الأصل والمصري الميلاد، الجنسية المصرية عام 2014.

وبعد أن فشلت محاولاته السابقة للحصول على الجنسية، اكتفى محمد خان بالصمت، ولم يعد يطالب بها أو يكثر الحديث عنها، حتى سلّمه المستشار عدلي منصور الجنسية المصرية، باعتبارها حقًا مستحقًا. وقد قال خان يومها، بما معناه، إنه وُلد مصريًا، وعاش مصريًا، وانتقل إلى الحياة الآخرة مصريًا، بعدما قدّم لمصر كل ما هو جميل، كما قدّم للوطن العربي الكثير.
وما دفعني إلى الكتابة عن قصة المخرج محمد خان هو انتشار بعض المقالات التي تناولت مطالبة المخرج السوداني سعيد حامد باستحقاق الجنسية المصرية، إذ قضى حامد في مصر أكثر من أربعين عامًا، درس خلالها الإخراج، وقدّم عصارة تجربته الفنية لمصر وشعبها. ومكابرٌ من يظن أن سعيد حامد لم يترك بصمة كبيرة في السينما المصرية؛ فهو مخرج الشباب الأول، وعلى رؤيته الإخراجية برز محمد هنيدي، وأحمد السقا، ومنى زكي، وطلعت زكريا، وعدد كبير من نجوم جيلهم.

وأنا من الداعمين لحصول المخرج سعيد حامد على الجنسية المصرية، ولكنني أهمس في أذنه بما دار بيني وبين المخرج الراحل الدكتور صلاح الدين الفاضل، حين كرّمته جمهورية مصر العربية. وعندما قلت له مندهشًا: “مصر كرّمتك!” جاء رده مختصرًا: “مصر ما بتنسى الزول الدرس عندها وكان شاطر.”

وأقول لسعيد حامد: الاثنان فيك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى