د. الهيثم الكندي يوسف
إنه الفساد الذي يقضي على الأفراد والمجتمع والمؤسسات والدولة، وقد وصفته بعدم الصمت لأن آثاره تلاحظ ونتائجه ترى. فكم حدثنا التاريخ عن حضارات اندثرت وأنظمة تهاوت وأفراد جعلوا عظة وعبرة بسبب الفساد. إن المشكلة عادة لا تكمن في وجود الفساد نفسه، لأن أي مجتمع فيه الفاسد والصالح، إلا أن الأزمة الحقيقية هي تصالح المجتمع مع ذلك، وعدم بذله أي مجهود أو محاولة لمحاربته، حتى أصبح عكس ذلك (الصالح) هو النشاز.
في ظل عالمٍ بات يحكم على الشخص بوضعه المادي، ويكتسب فيه المرء مكانته الاجتماعية بقدر ما يملك من مال – بغض النظر عن مصدره قانونياً كان أو لا – تغني المغنيات ويشعر الشعراء لصاحب المال، وتتمناه الأمهات زوجاً لبناتها، بعد أن كان الدين والأخلاق هما أكبر رأس مال يعتمد عليه طالبو الزواج، ولربما تأتي متطلبات ومزايا أخرى للعريس آخرها المال. قد تكون ظروف وأحوال العالم جعلت من المال عصباً للحياة، لكن ذلك لا يبرر أبداً طلب المال بأي شكل كان.
إن النزاهة في الوظيفة العامة في السودان لم تعد من ضمن مطلوبات الموقع أو الكرسي الحكومي، وربما الحزب أو الجهة أو القبيلة هي الرافعة الأهم. وبسبب ذلك كل يمني نفسه وأهله بغنى سريع، فلا يؤدي مطلوباته ولا تكليفاته كما ينبغي، ولربما لا يكون أهلاً للوظيفة من الأصل. وهي واحدة من أهم الآفات التي أقعدت بالبلاد وألجمت النهضة، فيا سبحان الله!
الآن فرصة إنتشار الفساد في أجهزة الدولة أكبر من أي وقت مضى بسبب غياب أو عدم اكتمال أجهزة الدولة القضائية والتشريعية. وتكبر المشكلة وتتعاظم في ظل تداخل السلطات وعدم وجود خطوط واضحة للفصل بينها. كما أن الحرب توفر عادة البيئة المناسبة للفساد وتناسله، بالإضافة إلي ان تشكيلة الحكم الحالية والتي أفضت إليها اتفاقية جوبا مع الحركات المسلحة وما تلاها من إشتراك هذه الحركات في الحرب بجانب القوات المسلحة، جعلها تظن نفسها بمفازة من المساءلة. كل ذلك ألقي بظلاله علي سلطة الدولة، فلا مؤسسات تراجع ولا جهة تحاسب. فكيف نرجو نصراً كاملاً. وقد انعكس ذلك فقرا يضرب بأطنابه على المجتمع، وغلاء ينهب ما في جيوب المواطنين من قليل مال، حيث بلغت معدلات الفقر في مايو الماضي 73% من جملة السكان حسب بيانات الحكومة الرسمية.
لقد آن الأوان لوضع حد لهذه الفوضى، إذ يجب أن نشترك جميعاً في مكافحة الفساد أفراداً ومجتمعاً وحكومة، فبالإرادة المجتمعة نحقق مرامنا. ويمكن رسم خارطة طريق لتحقيق ذلك عبر الأدوار التالية:
1 دور الحكومة (الحسم والمأسسة):
يقوم العبء الأكثر في شأن محاربة الفساد على السلطات الحكومية في المقام الأول. فهي التي تقوم بتوفير المناخ الذي يعمل عليه بقيه شركاء معركة المكافحة، كما أن عليها أدوارا أخري تقوم عليها أبرزها:
حسم المعارك العسكرية: على القيادة السياسية سرعة حسم المعارك، ففي ذلك من الفوائد ما يصب مباشرة في مكافحة الفساد وقفل الأبواب التي يدخل من خلالها.
الحوكمة والتشريع: على الحكومة تحصين مؤسسات الدولة عبر الحوكمة وتفعيل قوانين محاربة الفساد بإرادة واضحة لا تخطئها العين، مع إنشاء مؤسسات حقيقية لمكافحة الفساد مثل هيئات النزاهة والشفافية التي نراها في بعض البلدان، وإصدار التشريعات التي تقنن وضعها ومسؤولياتها.
ترسيخ الشفافية والحكم الرشيد: يتطلب ذلك تقديم تنوير رسمي دوري لقطع الطريق أمام الشائعات، مع إتاحة الوصول لتقارير المراجع العام لتعزيز الرقابة وردع المفسدين. كما يستلزم توفير محاكمات عادلة للمشتبه بهم، مما يبني ثقة المواطن ويؤكد وضوح الدولة ونزاهتها.
إكمال مؤسسات الحكم: إذ ظل البرلمان غائباً لأكثر من سبع سنين، لذا وجب معالجة هذا الوضع الشائه، ويمكن أن يكون بالتعيين ابتداءا لحين تحسن الظروف ليتم انتخاب أعضائه.
إستعادة الوضع الدستوري: يجب على السلطات الحكومية الإسراع في الانتقال إلى وضع دستوري جديد يكون قائماً على اختيار الشعب لمن يحكمه، وإنهاء الوضع الانتقالي الذي تطاولت فترته.
التعليم والمناهج: يجب إدخال المناهج الدراسية لتساعد في إعداد أجيال تستنكر الفساد، وترى وجوب محاربته وتقبيحه كقيمة أصيلة.
التحول الرقمي للمعاملات الحكومية: وذلك لتقليل العنصر البشري وسد منافذ الرشوة. لذا يجب بذل مجهود في تجهيز البيئة الفنية والقانونية المساعدة علي هذا الامر.
استقلال القضاء: إن الاستقلال التام للسلطة القضائية يلغي اي حصانة لفاسد مهما علت رتبته أو قبيلته، فيصبح القانون هو الرافعة الوحيدة والفيصل بين الجميع.
2.دور المجتمع (القوة الناعمة والوعي الثقافي):
المجتمعات عادة أكبر أثراً من الجهات الرسمية. صحيح أن أثرها ناعم وبطيء، لكنه يظل فاعلاً ويحقق نتائج أفضل مما سواه. ويمكن ان يكون ذلك عن طريق:
الإعلام المجتمعي: يمكن أن يكون له دور كبير في كشف الفساد ومداخله، وتوفير الأدلة التي تجرم فاعله.
صناع الوعي: على الأدباء والكتاب والفنانين والمثقفين بصورة عامة — عبر منتوجهم الحضاري — دور كبير في استقباح الفساد مجتمعياً، وبث ثقافة الإصلاح والفضيلة، وأن لا يكون المال هو أساس تقييم المجتمع للأفراد.
3 دور الأفراد (اليقظة والمسؤولية الأخلاقية):
على أفراد المجتمع أدوار مهمة في جانب التخلص من الفساد وتتمثل في:
الضغط والرقابة: إن أهم الأدوار التي يمكن ان يقوم بها الافراد هو الضغط على قيادة الدولة للمضي بجدية في محاربة داء الفساد ومحاسبة مرتكبيه.
رفض الرشوة والتبليغ: عدم التساهل مع الموظفين الذين لا ينجزون أعمالهم الموكلة لهم إلا مقابل الرشى، إذ علينا التبليغ عن ذلك فوراً للسلطة المختصة، والبلاغ عن أي فساد أو أدلة تقود لكشف الفاسدين، أو أي شبهة كظهور غنى مفاجئ لأي فرد في المجتمع دون مسوغ موضوعي.
التربية الأسرية: على الآباء في الأسر زرع ثقافة الإصلاح والشفافية لدى أبنائهم، على أن يكونوا هم النموذج لذلك أولاً، وأن نزرع فيهم بأن المفاضلة بين الناس لا تتأتى عن طريق المال رغم أهميته، فنحن بشر لنا مبادئ ولسنا ماكينات لا تأبه الا بالمادة.
يجب إن لا تكون معركة محاربة الفساد خياراً مؤجلاً، إذ يجدر بنا العمل علي أن تكون معركة وجود وتكامل مع معارك التحرير وبناء الدولة. فالأوطان لا تحمي فقط بالبنادق، بينما ينخر السوس في الجسد من الداخل. إن استئصال هذا (القاتل غير الصامت) يتطلب معالجة وطنية عاجلة، تبدأ من ضمير الفرد، وتمر بوعي المجتمع، وتنتهي بحزم القانون وهيبة الدولة. ومتى ما توفرت الإرادة الصادقة وتحولت النزاهة من شعار مرفوع إلى سلوك معاش، فإن فجر النهضة سيبزغ مجدداً، ليعود السودان وطناً شامخاً يسع الجميع بالعدل والمؤسسية.