نعمان يوسف محمد
هناك أجيال تصنع التاريخ، وهناك أجيال يدفعها التاريخ إلى الهامش دون أن ترتكب ذنباً. أما شباب السودان، فقد كانوا ضحية إستثنائية؛ جيل لم يخسر عاماً أو عامين، بل يكاد يكون قد فقد عقداً كاملاً من عمره بين الأزمات المتلاحقة.
منذ أواخر العام 2018 بدأت الإحتجاجات الشعبية، فتوقفت عجلة الحياة الطبيعية، وتعطلت الجامعات، وإرتبكت الأسواق، وأصبحت البلاد تعيش على إيقاع المظاهرات والتوتر السياسي. وما إن بدأت مؤسسات الدولة تستعيد شيئاً من إنتظامها، حتى جاءت جائحة كورونا لتفرض إغلاقاً شاملاً، وتعزل الناس عن أعمالهم ودراستهم وفرصهم.
ثم جاءت مرحلة ما بعد الثورة، وما صاحبها من إعتصامات وإنقسامات وتدهور إقتصادي، وتراجع غير مسبوق في قيمة العملة، وإرتفاع معدلات البطالة والتضخم، حتى أصبح مجرد الحصول على وظيفة حلماً بعيد المنال.
ولم يكن ذلك سوى تمهيد للكارثة الأكبر؛ ففي الخامس عشر من أبريل 2023 إندلعت الحرب، لتبدأ أكبر عملية تدمير لرأس المال البشري في تاريخ السودان الحديث. توقفت الجامعات، ودُمرت المؤسسات، وأغلقت المصانع، ونزح الملايين، وهاجر عشرات الآلاف من أصحاب الكفاءات، بينما وجد ملايين الشباب أنفسهم بلا تعليم، ولا عمل، ولا إستقرار، ولا حتى أفق واضح للمستقبل.
إن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع ليس: متى تنتهي الحرب؟ بل: ماذا تبقى من شباب السودان بعد الحرب؟
فالشاب الذي كان عمره عشرين عاماً عند بداية الإحتجاجات، أصبح اليوم يقترب من الثلاثين. عشر سنوات كان يفترض أن تكون سنوات بناء الذات وإكتساب الخبرة وتأسيس الأسرة وتحقيق الإستقلال الإقتصادي.
وبدلاً من ذلك، كانت سنوات إنتظار؛
إنتظار الدراسة..
إنتظار الوظيفة..
إنتظار الإستقرار..
وإنتظار نهاية أزمة لا تنتهي.
لقد خسر هذا الجيل شيئاً لا يمكن تعويضه بالكامل: خسر رأس المال الحقيقي للشباب وهو الزمن. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن ترتكبه الدولة بعد إنتهاء الحرب هو أن تتعامل مع الشباب بإعتبارهم مجرد فئة تحتاج إلى مساعدات إنسانية أو برامج تدريب تقليدية.
القضية أكبر من ذلك بكثير؛
إنهم يحتاجون إلى مشروع وطني لإستعادة العمر الضائع. مشروع يبدأ بتعويض الفاقد التعليمي وإعادة تأهيل الجامعات وتسريع برامج التعليم والتدريب المهني وفتح أبواب التمويل للمشروعات الصغيرة وإطلاق برنامج وطني للتوظيف وتحفيز القطاع الخاص على إستيعاب الخريجين وإعادة دمج الشباب في عملية الإنتاج.
كما يجب إنشاء صندوق وطني لإعادة بناء رأس المال البشري، لأن إعادة إعمار المباني دون إعادة إعمار الإنسان ليست إعماراً، وإنما مجرد ترميم للحجارة. ومن المهم أيضاً الإعتراف بالأثر النفسي العميق الذي خلفته هذه السنوات. فآلاف الشباب عاشوا النزوح وفقدوا أقاربهم وشاهدوا مدنهم وهي تُدمر أمام أعينهم. هؤلاء لا يحتاجون فقط إلى وظائف، بل يحتاجون كذلك إلى برامج للدعم النفسي والإجتماعي وإعادة بناء الثقة بالمستقبل.
إن الدول تقاس اليوم بما تستثمره في شبابها، لا بما تبنيه من طرق وجسور فقط. ولو أرادت الدولة أن تمنع موجة جديدة من الهجرة وأن تستعيد تعافي الإقتصاد وأن تبني السلام الحقيقي، فعليها أن تبدأ من هنا: من الشباب. فالسلام ليس مجرد إسكات صوت البنادق، بل هو إعادة الأمل إلى جيل كاد أن يفقد إيمانه بأن في هذا الوطن مكان له.
لقد سرقت الحرب كثيراً من السودان. لكنها سرقت من الشباب أغلى ما يملكون.. سرقت منهم سنوات العمر التي لا تعود. وهذا دين في رقبة الدولة والمجتمع معاً، ولن تسقطه الأيام، بل يجب أن يُسدد بسياسات جريئة وإستثمارات حقيقية ورؤية وطنية تعيد لهذا الجيل حقه في المستقبل.
والأوطان لا تنهض بما تبقى من حجارتها.. بل بما تبقى من أحلام شبابها.