رأي

ليلـةٌ لا تُـنسىٰ

محجوب فضل بدري

أدَّىٰ صلاة العِشاء، وعافت نفسه العَشاء، وقال لزوجته بلهجةٍ حازمة ما تمرقي من البيت صباح باكر الجمعة، وخلي بالك من نفسك ومن العيال، أنا ماشي مشوار هام جداً وما عارف حأرجع متين!!

ماشي وين؟ سَأَلَتْ. فأجاب ماعاوز أي أسئلة حتعرفي الحاصل بكرة من الاذاعة، خليك قريبة من الراديو.

ولو أرهفت الزوجة سمعها لتناهىٰ إليها وجيب قلبه المُثقل بسرٍّ بالغ الخطورة به يتحدد مصير البلد قبل أن يتحدد مصيره هو ورفاقه، خرج من بيته تحت جنح الظلام، وتحولت نبضات قلبه إلى ايقاع كلمتين هُنَّ (الوطن الغالي) هذا هو سر الليل الذى سيسمح له بالدخول من بوابة القيادة العامة !

كانت الخرطوم تنام على فراش اللامبالاة وتتدثر بغبار الإهمال!! عندما وثب فتيةٌ لا يرجون غير مرضاة الله وإنقاذ الوطن من براثن العملاء الذين يتربصون به الدوائر .. تحركوا بهمة عالية عندما بلغت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وما إن أسفر الصبح بوجهه وقبل أن تشرق الشمس، كانت كل الأمور تحت السيطرة ومعظم القيادات السياسية والعسكرية تحت الحراسة المشددة في مقر البحوث العسكرية (ادارة التوجيه المعنوى الآن) فخبط أحد الفتية بقبضة يده على مقود السيارة البيجو نصف نقل التابعة للقوات المسلحة، والتي كان يعبر بها كبرى القوات المسلحة وقال موجهاً كلامه لأولئك المدنيين الذين كانت تلفهم الحيرة عن السبب في إغلاق الكباري وإن كان السبب واضحاً لفطنة المواطن السوداني، فالأوضاع المتردية أمنياً واقتصادياً وعسكرياً والتي كانت سبباً فى مذكرة الجيش قبل أربعة أشهر من ذلك التاريخ، توحي بأن الجيش لابد له من أن يستلم مقاليد السلطة والشعب يتحرَّق شوقاً لسماع المارشات من الاذاعة، والأحزاب المتكالبة على الحقائب الوزارية المتناسية لمشاكل الوطن والمواطن غافلةً عن دورها، وقال الضابط الشاب لهم بصوتٍ لم يكن مسموعاً لهم نظراً لبعدهم النسبي عن السيارة (الاسلام جاكم).

وبدأت الإذاعة البث بالقرآن الكريم ثم بدأت فى بث الموسيقى العسكرية، المارشات التى يتوق الناس شوقاً إليها، وقال المذيع: المستمعون الكرام سنذيع عليكم بعد قليل بياناً هاماً من العميد الركن عمر حسن أحمد البشير .. ومَرَّ وقت غير قليل قبل أن يبدأ العميد عمر حسن بيانه الذى بدأه بدون بسملة وقال أيها الشعب السودانى الكريم إن قواتكم المسلحة المنتشرة في طول البلاد وعرضها، ظلَّت تقدم النفس والنفيس حمايةً للتراب السودانى وصوناً للعرض والكرامة، وترقُب بكل أسىً وحُرقة التدهور المريع الذي تعيشه البلاد في شتى أوجه الحياة، وقد كـان في أبـرز صُـوَرِهِ، فشل الأحزاب السيـاسيـة في قيادة الأمة لتحقيق أدنى تطلعاتها.

وعدَّد البيان الكثير من الأسباب المقنعة في كـل المجالات وختم البيان بفشل الحكومة وهيئة قيادة الجيش في ترجمة ما جاء في مذكرة الجيش، وأعلن أن أبناء الشعب فى القوات المسلحة قد تحركوا لإنقاذ البلاد العزيزة من أيدي الخونة والمفسدين تلبيةً لنداء الوطن، ودعىٰ البيان كل المواطنين للثورة معها ضد الفوضى والفساد واليأس من أجل إنقاذ الوطن، فَسُميت ثورة الانقاذ وغنىٰ لها الفنان كمال ترباس أول أناشيدها (هبت ثورة الانقاذ يوم الجيش للشعب انحاز) من كلمات الشاعر الراحل ذو النون بشرى. ومضت سفينة الانقاذ لا تبالي بالرياح.

ومضى شهرُ كامل منذ تلك الليلة المهيبة التي لا تنسى قبل أن يعود صاحبنا لرؤية عياله وأمهم. لم تَنْحَ الزوجة باللائمة على زوجها وإن لم تَعْفِهِ من الاتهام بالغتاتة والبطن الغريقة، فحكى لها طُرفة اللواء شرطة محي الدين محمد على التي قال فيها إن الضابط المناوب فى جهاز الأمن العام فى فترة مايو ترك مكتبه وجاء إلى نادي الشرطة فأستنكر عليه زميله فقال له اطمئن مافي زول بيعمل انقلاب فى شهر تمانية لأنو مافي فنان ممكن يغني ليهو ويقول أوغوسطوس لحدي ما تجيه لُوَزْ .

ودار الزمان دورته لثلاثة عقود والانقاذ تعمل وتجتهد وتخطئ مرة وتصيب مرات ومرات حتى قضى مالك الملك الذي يؤتيه من يشاء وينزعه عن من يشاء. فذهبت الانقاذ وبقي أثرها وسيبقى ما دامت السمٰوات والأرض.

وبكى الناس على ذهابها وقالوا ياحليلك يا البشير .

كانت ليلة لا تنسى مثل عنوان كتاب (ليلة لا تنسى) وهو الترجمة العربية لكتاب A Night to Remember للمؤرخ Walter Lord، ويُعد من أشهر الكتب التي تناولت كارثة غرق RMS Titanic. والفرق أن تايتنك قضت ثلاث ساعات قبل أن تغرق وسفينة الانقاذ أمضت ثلاثين عاما قبل أن تذهب !!

التحية للمشير البشير فى معتقله وهو الذي أعلن أمام المحكمة عن مسؤوليته عن ما جرى في تلك الليلة التي لا تنسى وهو يعلم بأن الاعتـراف هو سيـد الأدلة.

والقـائـد ما بْيِـتْـخَـرَّت. سـلاااام سلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى