مصعب عوض محمد خير
في السودان، كلما ارتفع سعر الدولار، يلقي اللوم علي المضاربون وتسمع فورا بحملة امنية للقبض علي تجار العملة. التفسير هذا يبدو منطقي في الظاهر، خاصة لما نشوف سلوكيات زي الاحتفاظ بالدولار، أو التسعير على أساس التوقعات، أو حتى الارتفاعات السريعة في السوق الموازي. لكن لو وقفنا وحللنا الموضوع بشكل جاد، سنكتشف انه لا توجد مضاربة في الدولار في السودان من اساسه.
المشكلة الأساسية هنا هي في تعريف كلمة “مضاربة” نفسها.
ما هي المضاربة أصلا؟
في الاقتصاد المالي، المضاربة ليست مجرد شراء وبيع مع توقع ارتفاع السعر. هذا الفهم المبسط لا يعكس جوهر المفهوم . المضاربة بالمعنى الحقيقي هي عملية أكثر تعقيدا وتنظيما، تقوم أساسا على اتخاذ مراكز مالية واضحة في السوق، بحيث يكون لدى الفاعل تعرض مباشر لتقلبات السعر.
هذا القرار يبنى على توقعات مستقبلية لحركة الأسعار، سواء بالارتفاع أو الانخفاض. الهدف من ذلك هو تحقيق أرباح رأسمالية ناتجة عن هذا التغير المتوقع في السعر، وليس مجرد تنفيذ عملية تبادل أو تلبية حاجة تجارية.
في الوقت نفسه، المضارب يقبل بتحمل درجة من المخاطر، محسوبة ضمن استراتيجيات معينة لإدارة المخاطر والعائد. وغالبا ما يتم ذلك باستخدام أدوات مالية متقدمة، مثل الرافعة المالية أو المشتقات، مما يزيد من تعقيد العملية ويعطيها طابعا مؤسسيا .
بالتالي، المضاربة ليست سلوكا بسيطا أو رد فعل مباشر على تغير الأسعار، بل هي نشاط منظم له أدواته، ومنهجيته، وفاعلوه المتخصصون.
كيف تبدو المضاربة في الواقع؟
لو أخذنا أمثلة حقيقية، الصورة تكون أوضح.
في حالة George Soros سنة 1992، الموضوع لم يكن مجرد شراء وبيع. كان في مراكز بيع ضخمة، واستخدام رافعة مالية، واستهداف مباشر لنظام سعر الصرف. العملية كانت منظمة ومبنية على تحليل عميق لنقاط ضعف النظام النقدي. ، جورج سورس حلل وضع الجنيه الاسترليني وقرر المضاربة والهجوم عليه وراهن علي انهيار الاسترليني بفضل ضربات محسوبة قام بيها ، حيث ذهب واقترض مبالغ ضخمة بالاسترليني واشتري بيها مارك الماني وعندما انهار الاسترليني يوم الاربعاء الاسود والايام التالية وانخفض ب20% رجع سويرس سدد القروض مستفيدا من فرق سعر الصرف وحقق مليار جنيه استرليني ربح
ونفس الفكرة ظهرت في 1997 Asian Financial Crisis، حيث حصلت هجمات مضاربية منظمة أدت لانهيار عملات دول كاملة نتيجة تحركات رؤوس أموال كبيرة ومركزة.، خاصة في تايلاند
وكذلك في Hong Kong Dollar، حيث توجد محاولات مستمرة لاختبار نظام الربط بالدولار باستخدام أدوات مالية معقدة واستراتيجيات متقدمة.
القاسم المشترك في كل هذه الحالات هو وجود مؤسسات مالية كبيرة، واستخدام أدوات مالية متقدمة، والقدرة على التأثير المباشر في السوق، وأحيانًا استهداف النظام نفسه.
هذه هي الامثلة الحية التي يمكن ان نطلق عليها مضاربة في سعر الصرف
هل هذا هو ما يحدث في السودان؟
الإجابة ببساطة: لا.
في السودان لا يوجد سوق مشتقات، ولا توجد آليات للبيع على المكشوف، ولا توجد مؤسسات مالية ضخمة قادرة على فتح مراكز مؤثرة في السوق. بل في الحقيقة، لا يوجد أصلًا سوق صرف منظم يمكن استهدافه بهذا الشكل.
ما الذي يحدث فعليًا في السوق الموازي؟
السوق الموازي هفي السودان نشأ لأنه لا يوجد بديل. البنوك لا توفر النقد الأجنبي بشكل كافي ولا بالسرعة المطلوبة، فظهر دور الوسطاء لسد هذه الفجوة.
هؤلاء الوسطاء يربطون بين العرض المحدود من العملات الأجنبية سواء من المغتربين أو حائزي النقد الاجنبي من مصدرين ومهربي الذهب وبين الطلب المرتفع من المستوردين والأفراد. كما يقومون بتجميع الموارد، وتحديد أسعار بشكل غير رسمي، وتنفيذ وتسوية العمليات خارج النظام المصرفي.
بمعنى واضح، هذا السوق هو وساطة غير رسمية نشأت نتيجة خلل في السوق الرسمي، وليس سوق مضاربة بالمعنى المؤسسي.
ماذا عن السلوكيات التي تبدو “مضاربة”؟
هنا النقطة التي تسبب الخلط.
هناك سلوكيات واضحة في السودان مثل الاحتفاظ بالدولار انتظارًا لارتفاع السعر، والتسعير بناءً على التوقعات، وزيادة الطلب بدافع التحوط. هذه السلوكيات قد تعطي انطباع بوجود مضاربة، لكنها عند التحليل تختلف في جوهرها.
الاحتفاظ بالدولار في كثير من الحالات ليس بهدف تحقيق ربح، بل لحماية القيمة في ظل تضخم مرتفع وانخفاض مستمر في قيمة العملة المحلية. هو سلوك دفاعي أكثر منه استثماري.
أما التوقعات، فهي موجودة فعلاً، لكن طبيعتها مختلفة. في الأسواق المتقدمة، التوقعات مبنية على بيانات ونماذج تحليلية. في السودان، هي غالبًا مبنية على شح الدولار، والأخبار، والتجارب السابقة، وأحيانًا الإشاعات.
وبالنسبة للطلب، فهو في معظمه طلب تحوطي، هدفه تجنب الخسارة وليس تعظيم الربح. الناس تشتري الدولار لأنها تخشى انخفاض الجنيه، وليس لأنها تخطط لتحقيق مكاسب رأسمالية منظمة.
الفرق بين المضاربة الحقيقية وما يحدث في السودان يمكن فهمه من خلال بعدين أساسيين.
الأول هو الدافع. في المضاربة، الهدف هو تعظيم الربح. أما في السودان، فالدافع الأساسي هو تجنب الخسارة وحفظ القيمة.
الثاني هو البنية. المضاربة تحتاج إلى سوق متطور وأدوات مالية ومؤسسات قادرة على تنفيذ استراتيجيات معقدة. في السودان، السوق غير رسمي، والأدوات محدودة، والبيئة كلها قائمة على الندرة وعدم الاستقرار؟
اكبر مصدر لسوء الفهم هو الاعتقاد ان تجار العملة يربحون فقط عندما يرتفع السعر وهذا غير صحيح ابدا فتاجر العملة يربح عند انخفاض السعر او رتفاعه لانه يحقق ربح من فرق البيع والشراء وهذه نقطة مفهومة جدا لكل من مارس التجارة .
الوصف الأدق لما يحدث هو أنه وساطة غير رسمية في سوق صرف مقيد، مصحوبة بسلوكيات تحوطية، مع وجود بعض العناصر التي تشبه المضاربة دون أن تصل إلى مستواها الحقيقي.
بصيغة أكثر تقنية، يمكن القول إن ما يحدث هو سوق صرف موازي قائم على التحوط في المقام الأول، مع عناصر سلوكية متأثرة بالتوقعات.
لماذا هذا مهم؟
لأن الخطأ في التشخيص يؤدي إلى الخطأ في الحل.
إذا تم تفسير ما يحدث على أنه مضاربة، فإن الاستجابة غالبًا تكون أمنية، مثل التجريم أو الملاحقة، وهي إجراءات لا تعالج جذور المشكلة.
أما إذا تم فهمه على أنه نتيجة لاختلالات في سوق الصرف، فإن الحل يكون اقتصاديًا، من خلال تحسين توفر النقد الأجنبي، وتوحيد سعر الصرف، وبناء سوق رسمي فعال يمكنه استيعاب الطلب الحقيقي.
ما يحدث في السودان ليس مضاربة بالمعنى الذي رأيناه في حالات مثل George Soros أو 1997 Asian Financial Crisis.
بل هو سلوك اقتصادي دفاعي في بيئة تتسم بارتفاع التضخم وشح الموارد، يظهر أحيانًا بشكل يشبه المضاربة، لكنه في حقيقته مختلف تمامًا.
وبالتالي، المشكلة الحقيقية ليست في “المضاربين”، بل في هيكل السوق نفسه.