رأي

الغذاء الثروة الحقيقية في زمن الأزمات … أين موقع السودان؟

د. خالد سيد أحمد عوض الكريم
أستاذ اللوجستيات وسلاسل الإمداد- دكتوراه في الجودة وادارة العمليات- جامعة نوتنغهام بريطانيا

هناك مقولة شهيرة تُنسب إلى الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي Jean‑Jacques Rousseau تقول
“*الأرض هي المصدر الحقيقي لكل الثروة*.”
كما عبّر الاقتصادي الفرنسي François Quesnay (مؤسس المدرسة الفيزيوقراطية) عن الفكرة نفسها حين قال إن:
“*الزراعة وحدها هي التي تنتج ثروة حقيقية*.”
وكانت فلسفة هذه المدرسة الاقتصادية تقوم على أن القدرة على إنتاج الغذاء من الأرض هي أساس القوة الاقتصادية لأي دولة، لأن بقية الأنشطة الاقتصادية تعتمد في النهاية على الإنتاج الزراعي.
وهناك مقولة قوية لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق Henry Kissinger:
“*من يسيطر على الغذاء يسيطر على الشعوب*.”
كشفت الحروب والتوترات الإقليمية الأخيرة حقيقة اقتصادية غالباً ما يتم تجاهلها في أوقات الاستقرار وهي أن الثروة الحقيقية تكمن في قدرتها على إنتاج الغذاء وتأمين سلاسل الإمداد الأساسية وليس في الأرصدة المالية الضخمة.
تشير التقارير إلى أن دولة خليجية غنية تمتلك احتياطياً نقدياً يقارب 72 مليار دولار، وهو ما يكفي لتغطية وارداتها الغذائية لنحو 26 شهراً في حال توقف الدخل. ويُعد هذا رقماً مريحاً مقارنة بالمؤشر الدولي الذي يعتبر ستة أشهر من احتياطي الواردات مستوىً آمناً. لكن التجارب العالمية في سلاسل الإمداد أثبتت أن المال وحده لا يضمن الغذاء دائماً. ففي أوقات الحروب أو اضطراب الممرات البحرية، قد تتعطل التجارة وترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتصبح السلع نفسها نادرة في الأسواق العالمية مهما توفرت القدرة على الدفع. من المعلوم أن دول الخليج مثلا تستورد معظم غذائها من الخارج. وعلى سبيل المثال تعد دولة الكويت نموذجاً واضحاً للدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الغذائية، من مصادر متعددة. فهي تستورد أكثر من 90 في المئة من غذائها وبذلك نعتبر من أعلى الدول بالاعتماد على الاستيراد الخارجي.
هنا تظهر قيمة الدول التي تمتلك موارد إنتاج غذائي حقيقية. والسودان مثال واضح على ذلك؛ فبالرغم من الحرب التي أدت إلى تراجع الصادرات وانخفاض الإيرادات، إلا أن السودان يمتلك إمكانات زراعية هائلة تشمل أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، وموارد مائية كبيرة، وثروة حيوانية ضخمة. هذه الموارد تعني أن السودان – نظرياً – قادر على تأمين جزء كبير من احتياجاته الغذائية داخلياً، وهو ما يمنحه نوعاً مختلفاً من الثروة: ثروة الإنتاج الحقيقي وليس فقط الأرصدة المالية.
في علم سلاسل الإمداد العالمية، يُنظر إلى الأمن الغذائي كأحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدول. فالاحتياطيات المالية قد توفر القدرة على الاستيراد، لكن القدرة على الإنتاج المحلي هي الضمان الحقيقي للاستقرار في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن السودان يمتلك أحد أهم مصادر الثروة الحقيقية في العالم العربي، لأن قيمة موارده من أرض ومياه وإنتاج غذائي قادر – إذا أُحسن استغلاله – على تأمين المستقبل الاقتصادي للبلاد وهنا يبرز السؤال الأساسي ما الذي ينقص السودان ليكون بلدا مكتفيا غذائيا وينتقل الى مرحلة زيادة حجم الصادرات؟ لتنتقل به الى مصاف الدول الغنية طالما انه يمتلك كل تلك الموارد الهائلة.
في المحاضرة التي قدّمها رجل الأعمال الأستاذ وجدي ميرغني، صاحب المبادرات الرائدة في مجال الاستثمار الزراعي في السودان، والتي عُقدت في شهر نوفمبر 2025 بـمعهد الدوحة للدراسات العليا بدولة قطر، طُرحت رؤى عميقة قد تحمل إجابة على التساؤل السابق.
وقد تميزت المحاضرة بكونها عرضًا علميًا ثريًا تناول حاضر ومستقبل الزراعة في السودان، حيث كانت حافلة بالأرقام والإحصائيات الدقيقة والموثقة التي تعكس حجم الإنتاج الزراعي وإمكاناته الكبيرة، إلى جانب تحليل واقعي لفرص الاستثمار والتحديات القائمة. وأكثر ما كان لافتا هو المقارنة بين الإنتاجية للفدان في السودان وبعض الدول التي يمكن ان تصلح للمقارنة مع السودان مثل مصر والهند. حيث ذكر أن إنتاجية الفدان الزراعي في مصر تعادل ما بين 400 الي 500 دولار في السنة بينما إنتاجية الفدان في السودان تتراوح بين 16 الى 20 دولار فقط. وهنا تكمن الفجوة الكبيرة في حجم الدخل القومي ولعله هنا تكمن الإجابة ايضا. وردت في المحاضرة الكثير من المعلومات المثيرة عن وضع الزراعة وعلاقتها بالدخل القومي وتأثيرها الاجتماعي ومنها:
•70% من السكان في السودان يعملون في الزراعة رغم أن مساهمة القطاع الزراعي لا تتجاوز 5% من الناتج الاقتصادي.
•سوق الخليج سوق ضخم وقريب جغرافياً، ويوفر فرصاً كبيرة للصادرات الزراعية والغذائية السودانية. حيث يبلغ حجم وارداته ما يقارب ال 150 مليار دولار. مصر تنفق نحو 20 مليار دولار سنوياً على استيراد المواد الغذائية، وهو سوق يمكن استهدافه بالإنتاج السوداني.
•السودان يطل على أربع دول لا منفذ بحري لها، مما يجعله بوابة لوجستية طبيعية ومركز عبور مهم.
•تكاليف وأجور النقل من السودان منخفضة جداً مقارنة بالدول الأخرى، مما يعزز القدرة التنافسية.
•السودان يستغل فقط 25% من إمكانياته الزراعية المطرية المتاحة، مما يعني وجود فرص توسع هائلة غير مستغلة..
•تهريب الذهب يقدّر بـ 40 طناً سنوياً، بينما بلغت صادرات مصر من الذهب نحو 4 مليارات دولار.
•البترول والذهب لم يساهما بالشكل المطلوب في دعم وتطوير القطاع الزراعي في السودان.
ووفقًا للرؤية المطروحة، يمكن استهداف الوصول إلى إنتاجية تبلغ 250 دولارًا للفدان في السودان خلال فترة خمس سنوات. ولا شك أن تحقيق هذا الهدف الطموح يتطلب حشدًا واسعًا للموارد والإمكانات، يسبقه إعداد دراسات علمية عميقة تستند إلى بيانات دقيقة وتحليل منهجي. كما يستلزم الأمر العمل على نقل وتوطين قصص النجاح من دول الجوار ومختلف أنحاء العالم، مع تكييفها بما يتلاءم مع الخصائص المحلية للقطاع الزراعي في السودان، لضمان تحقيق نتائج مستدامة وفعّالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى