رأي

السودان بين الإغاثة والتنمية: كيف تحولت المساعدات إلى فخٍ دائم؟

أميمة عبد الله

منذ العام 2015م انتظمت رحلاتي إلى أقاليم كردفان، دارفور، النيل الأزرق، استمرت بكثافة حتى ما قبل اندلاع الحرب الأخيرة بأقل من شهر.

خلال تلك السنوات لم أكن زائرة أو عابرة، بل شاهدة على الكثير من تفاصيل الحياة اليومية، ومشاركة في قيام العديد من مشروعات التنمية في تلك المناطق، وقريبة من الناس ومعايشة واقعهم.

اتاحت ليّ هذه التجربة متابعة واحدة من أكثر القضايا السودانية تعقيداً: كيف تحولت أزمة النزوح من حالة طارئة إلى واقع دائم

   تفاقت قضية السودان في إقليم دارفور مع مرور الوقت حتى بلغت مرحلة غير مسبوقة من التأزم، تكاد لا تخلو ولاية من ولايات دارفور من معسكر للنزوح الداخلي بل أن الكثير من القرى هجرها أهلها.

هذه المناطق عُرفت بمواردها الطبيعية والبشرية الهائلة وبنشاط أهلها في الزراعة والرعي والتجارة، إلا أن النزاعات المسلحة الداخلية والأزمات المتراكمة والحرب الدائرة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق تحولتا إلى أحد العوامل الأساسية في تأخر التنمية، فقد أثرت الحرب بصورة كبيرة على ضرب الاقتصاد المحلي واستنزاف رأس المال البشري وهجران القرى.

إن تراكم الأزمات والتأجيل الدائم من الحكومات المتعاقبة للقضايا الكبرى أدى إلى توسع دائرة النزاعات وبعضها أخذ الطابع القبلي كما تناسلت الحركات المسلحة وتعددت معسكرات النزوح وتحولت أطراف المدن إلى تجمعات هشة.

 لقد ظلت الأسئلة عن الاستقرار والتنمية معلقة دائما، وكانت الحلول سطحية دون معالجة أصل الأزمة، التسوية بالاتفاقيات أو التفاوض أو توزيع المناصب مع فقدان الثقة بين الشركاء وتعدد الفاعلين المسلحين.

ل

منذ العام 2003م لم تُغلق معابر ولا حدود ولا مطارات السودان امام المساعدات الدولية، لم تكن المشكلة يوما نقصا في التدخل، بل في طبيعته، منذ اندلاع الأزمة ظلت المعسكرات كلها تتلقى الدعم والإغاثة والمعونات من المنظمات الدولية، نجحت المنظمات بل إنها لعبت دورا مهما وحاسماً في إبقاء الناس هناك أحياء كما أنها نجحت في تخفيف حدة المجاعة وتقديم الخدمات الصحية، دورا لا يمكن انكاره أو التقليل من أهميته لكنها لم تمكنهم من العودة إلى قراهم وبيوتهم.

 ظلت الإغاثة حاضرة وباستمرار إلا ان تلك مناطق مازالت عاقة في مربع الازمة مع توسع دائرة النزاعات وأخذ بعضها الطابع القبلي

مع مرور السنوات لم تعد المساعدات مجرد استجابة مؤقتة، بل تحولت إلى نمط حياة دائم، تبدل سلوك الآلاف في المعسكرات، تحولوا بمرور الأيام من الإنتاج إلى تلقي المعونات والمساعدات من المنظمات الدولية مع تعثر وبطء في التنمية على تعاقب الحكومات في السودان، مقابل الكثيرين الذين رفضوا البقاء في المعسكرات.

إذا لماذا كانت الإغاثة دائما حاضرة وبالمقابل التنمية والاستقرار غائبين؟

إن ذلك التحول في السلوك الإنتاجي عطل حياة الناس في المعسكرات وافرز أزمات جديدة، إذ ظلوا حبيسي سجن المعسكرات الذي حدد من قدرتهم على إنتاج حلول لعودتهم بل تحولت حياتهم من طارئ مؤقت فرضته الحرب الداخلية في الإقليم إلى نمط حياة دائم وبذلك تحولت المساعدات والمعونات الإنسانية على إدارة لأزمة النزوح الداخلي بل تقديم حلٍ لها.

كنت أتابع من خلال زياراتي للإقليم نشأة الأطفال منذ عمر مبكر إلى حين البلوغ داخل معسكرات النزوح الداخلي وسط بيئة مهينة وبيوت بائسة من الصفيح والقش متداخلة مما جعل الناس هناك يعيشون كعائلة واحدة كبيرة بلا خصوصيات.

السؤال كيف يمكن أن يبدأ أولئك الفتيان حياتهم خارج المعسكرات عند خروجهم للعمل في ظل ضعف تلقي في التعليم ومحدودية فرص العمل.

تلك الهشاشة المستمرة والتي حاصرت المجتمعات هناك رفعت نسبة البطالة بصورة كبيرة ومع سهولة الحصول على السلاح لم تترك للشباب غير خيار العسكرة والانضمام للمليشيات، حين تنعدم فرصة العمل تُصبح العسكرة هي الخيار نحو كسب الرزق، الإنسان بأي حال يحتاج أن يكون لديه شيء ما يشغله وعمل ينجزه.

نسفت الحرب ما تبقى من استقرار إلا أن الأجواء والمعابر مازالت مفتوحة، إذاً اين هي تلك المساعدات التي تتحدث عنها المنظمات الدولية وتطلب من أجلها الهدنة في الحرب القائمة الآن؟

حزمة من الأسئلة، هل نحن في السودان بحاجة إلى تغير مفهوم الإغاثة والمعونة الإنسانية؟

أيهما في بناء السودان من جديد أولى، الإغاثة أم مشاريع تنموية تمكن الناس من العودة إلى قراهم ومدنهم؟

هل كل أموال الاغاثات التي تُمنح تذهب كلها لمن يحتاجها أم أن المنظمات تجد نفسها تصرف قدرا منها كبيرا في الصرف والتامين على الموظفين والعاملين؟

في العام 2007م تم إنشاء بعثة يونا ميد القوة العسكرية الهجين من الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي تحت البند السابع بزعم السلام في دارفور.

استمرت هذه البعثة 13 سنة ثم تم حلها في العام 2020م، أُنفق على هذه البعثة 20 مليار دولار تقريبا، كانت الميزانية تذهب إلى رواتب الجنود والنقل البري والجوي والحماية الأمنية.

ال 20 مليار لم تكن أموال للتنمية أو لبناء اقتصاد، ومع ذلك لم تنه البعثة الصراع ولم تأتي بالسلام.

السؤال ماذا لو تم صرف مثل هذه الأموال في تمكين الناس من الحياة والتنمية وبناء الاقتصاد في الإقليم؟

نعم الأمن أولاً لكن التنمية تأتي في المركز الثاني مباشرة.

عقب الحرب نحن بحاجة حقيقة إلى مراجعة مفهوم الإغاثة والمعونة، بحاجة إلى إرجاع الناس إلى بيوتها الأصلية وبناء قرى منتجة وتمكين الناس من الاعتماد على ذواتهم وإغلاق ملف المعسكرات الداخلية للأبد.

نحن بحاجة إلى إنهاء الأزمة لا كيفية ادارتها، بحاجة إلى حياة مستقرة للأسر لا اغاثة تُبثي الناس أحياء فقط، نحتاج أن نساعدهم على استعادة حياتهم وتوفير مشاريع تنموية لهم.

إن استمرار اعتماد السودان على الاغاثات دون أفق واضح للتنمية هو في الحقيقة استمرار للازمة بأشكال مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى