هندسة السلام المؤقت: تفاهمات “سويسرا” ومآلات الردع المتبادل في الشرق الأوسط
Mazin
تفكيك بنيوي لإعلان “شهباز شريف” عن اتفاق واشنطن وطهران، والارتدادات الجيوسياسية للوقف الشامل للعمليات من هرمز إلى جبهة لبنان.
تحليل: د. محمد زيدان خفاجي باحث في العلاقات الخليجية-الإيرانية والسياسات الدولية mohammedzidan89@gmail.com
سقوط الرهانات الصهيونية والعبور الإيراني نحو “التوقيع العملياتي” في سويسرا:
لم تعد معادلات المنطقة تخضع لمحاولات الفصل الدبلوماسي أو المناورات الهامشية؛ بل صِيغت بنودها قسراً بالحديد والنار في الميدان قبل أن تُدون على ورق الاتفاقيات. من منظور أداة التحليل الجيوسياسي، يمثل الإعلان الرسمي الصادر عن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بشأن توصل الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى اتفاق سلام شامل، بمثابة إقرار دولي صريح بنجاح إستراتيجية “الردع بالعمق” التي أدارتها طهران بكفاءة عالية طوال أسابيع الصدام المباشر. إن تحديد يوم الجمعة المقبل، 19 يونيو، موعداً لمراسم التوقيع الرسمية في العاصمة السويسرية، يكشف عن عمق الاستسلام العملياتي الذي أُجبرت عليه إدارة ترامب وحلفاؤها، بعد أن أثبتت معادلة الحظر البحري في مضيق هرمز واستهداف القواعد الخلفية للبنتاغون أن كلفة الاستمرار في مواجهة نظامية مفتوحة ستعني سحق المصالح الغربية الحيوية واشتعالاً غير منضبط لأسواق الطاقة العالمية. ويأتي هذا العبور الدبلوماسي ليوثق حقيقة مفادها أن طهران استثمرت تفوقها الصاروخي وقدرتها على خنق الشرايين الجيواقتصادية لانتزاع شروط إستراتيجية صلبة، حطمت بها أسقف العربدة الصهيونية المعتادة، وأجبرت الائتلاف (الصهيوني-الأمريكي) على بلع نتائج التصعيد والمضي قدماً نحو تسوية تضمن تفكيك الحصار البحري والاعتراف بنفوذ طهران كقوة إقليمية مهيمنة فرضت سيادتها بالأمر الواقع.
شغور جبهة الشمال وإلزامية التهدئة في “الساحات البحرية والبرية”:
ولم تقتصر بنود الاتفاق الإستراتيجي المسرب على جغرافيا الخليج وحسب، بل توازت مع صياغة هيكلية صارمة فرضت “الوقف الفوري والدائم للعمليات على جميع الجبهات”، وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية. ويبرهن اقتراب تحليل النظم على أن هذا الشمول العملياتي يسقط تماماً المحاولات الصهيونية المستميتة لتفكيك عقيدة “وحدة الساحات”؛ حيث جاءت إلزامية الهدنة في جنوب لبنان لتلجم الطموح العسكري المتهور لحكومة نتنياهو التي حاولت حتى الساعات الأخيرة تفخيخ التهدئة عبر إصدار أوامر إخلاء للبلدات الجنوبية. هذا التلازم المفروض يثبت عملياً أن أذرع محور المقاومة باتت تتحرك كجسد بنيوي واحد مرتبط طردياً بمآلات المفاوضات في طهران، مما يحرم الكيان الصهيوني من ممارسة تكتيك الاستفراد بجبهة دون أخرى، ويضعه أمام حتمية الانكفاء العسكري مرغماً تحت وطأة الضغط الدبلوماسي والميداني المزدوج الذي مارسته واشنطن لحماية قواتها من ضربات المسيّرات الانقضاضية.
وفي الشق الإستراتيجي، يعكس التحرك المكثف للوسطاء الدوليين لتسهيل سلسلة من الاجتماعات الحاسمة هذا الأسبوع، حجم السباق مع الزمن لتثبيت ركائز هذا الهيكل الأمني الجديد قبل موعد قمة الجمعة. ومع ذلك، فإن هذه التهدئة المفروضة بالنار تضع صانع القرار الإقليمي والخليجي أمام واقع جيوسياسي بالغ التعقيد؛ فبينما تتراجع أسعار الطاقة تفاؤلاً بالحل الدبلوماسي وإعادة فتح المضايق، تبدو البيئة الأمنية مقبلة على “هدنة مسلحة” هشة ومحكومة بالتأهب الاستخباري المستمر، حيث سيعمل كافة الأطراف على استغلال فترة الـ 60 يوماً القادمة لترميم أوراقهم وترتيب صفوفهم الداخلية.
بين سلام الورق ومآلات صراع البقاء الإقليمي:
في التحليل الأخير، يبرهن انتقال المشهد من دوي الانفجارات إلى طاولات الدبلوماسية السويسرية، على أن المنطقة طوت بالكامل صفحة المعادلات التقليدية القديمة لتلج في طور نظام إقليمي جديد صاغته فوهات الصواريخ العابرة للحدود. ومع ثبوت كفاءة الآلة العسكرية الإيرانية في فرض شروطها على القوى العظمى، يبقى التساؤل الجيوسياسي الحرج معلقاً فوق حبر الأوراق المرتقبة: هل يتحول اتفاق 19 يونيو إلى إقرار دائم بعجز الائتلاف الغربي عن مواجهة الترسانة الإيرانية، أم أن سلام الأوراق الحالي ليس سوى التقاط أنفاس مؤقت لتحالف مأزوم يبحث عن ثغرة عملياتية جديدة لترميم هيبته المتآكلة؟