أبطـال الكـلمة والكـاميرا: قصة (ماراثون) وقوانين حماية الصحفيين في مناطق النزاع
Mazin
د.إيناس محمد أحمد
التحية لقواتنا المسلحة الباسلة وهي تهدي الشعب السوداني النصر المستحق وتستعيد الأرض وتعيد الحياة من جديد لعدد من المدن والقرى ليعم الفرح بنصر عظيم ، سائلين المولى عز وجل أن يشفي الجرحى والمصابين وأن يتقبل الشهداء في عليين برحمته الواسعة.
بعد أن تنتهي الحرب بإذن الله ويعم السلام الكامل لكل أرجاء بلادنا ، سيكتشف الناس أن هناك العديد من تفاصيل تلك المعارك والعمليات الحربية قد وثقت وحفظت بأسماء أبطالها – صناع المجد – الذين وهبوا السلام والأمن والأمان بأرواحهم لبلادنا وليطلع عليها أجيال وأجيال ، هذا التوثيق قام به جنود آخرون سلاحهم القلم والكاميرا ، ينقلون الخبر ويصورون الحدث ويوثقون المعارك كما هي ، هؤلاء هم المراسلون الحربيون .
علي اختلاف الأماكن والأزمان وتفاوت مراحل تطور وسائل الإعلام، إلا أن الإعلام كان موجوداً بشكل أو بآخر خاصة في الحروب لنقل أخبارها وتوثيق أحداثها ، ورغم التضاد بين مبدأ السرية في العمليات الحربية ومبدأ إذاعة ونشر الخبر في الإعلام إلا أنه توجد بينهم مساحة وسطى للقاء تسمى المهنية والوطنية.
تاريخياً يوثق العالم لبعض المطبوعات الحربية للدولة الآشورية تتضمن تلك المطبوعات تقارير وأخبار توثق لمعارك حربية قديمة ، وفي العصر اليوناني حينما خاضت اليونان معارك ضارية ضد الفرس منها معركة (ماراثون) الشهيرة التي وقعت في عام 490 قبل الميلاد خلال الحروب بين أثينا والامبراطورية الفارسية، وبعد انتصار اليونانيين علي الفرس فيها، قام أحد المحاربين ويدعى (فيديبيدس) بالركض حوالي 40 كيلومتر من أرض المعركة (سهل ماراثون) إلى (أثينا) لنقل خبر النصر الكبير ، وأوصل الخبر إلى حاكم المدينة لأنه كان يعرف تشوق الناس هناك لمعرفة المنتصر في الحرب ، إلا أنه سقط ميتاً من التعب والعطش عندما وصل إلى أعتاب أثينا و أخبرهم بالنصر ، ولذلك تقام سباقات (المارثون) إلى يومنا هذا تخليداً لذكرى ذلك المحارب أو (المراسل الحربي) الذي وثق عمله المؤرخ اليوناني (هيرودوت). أما الرومان فكانوا يدقون الطبول إيذاناً ببدء الحرب التي يشنها الإمبراطور الروماني على أعدائه ، وكان الرومان ينقلون أخبار المعارك بالاتصال الشخصي من شخص لآخر إلى أن تصل الأخبار إلى الإمبراطورية.
ومع مرور الوقت تطورت البشرية وانتشرت الكتابة ثم ظهر اختراع الطباعة التي سهلت جمع المعلومات والأخبار والرسوم في صحيفة واحدة كانت للتوثيق أولا ثم تداولها الناس بعد ذلك فيما بينهم ، بعدها زادت أهمية المراسل الحربي لموافاة الصحيفة بأخبار المعارك ، وكانوا يرافقون الجيش أثناء الحرب.
يوثق القانون الدولي في أرشيف المعارك دور المراسل الحربي حيث تم توثيق عدد من الحروب بين الدول عبر منشورات وصور لمراسلين حربيين ، من أهم تلك الحروب الحرب الأهلية الأميركية (1861-1864)م ، والحرب بين الصين واليابان عام 1895م ، وبين اليونان وتركيا عام 1897م ، والحرب بين روسيا واليابان عام 1905م ، هذة الحروب أدت الي تطور مهام المراسلين حتي نصل إلى الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)م حيث أوفدت وكالة رويترز وحدها 115 مراسلاً حربياً إلى مواقع المعارك لقي 15 منهم مصرعهم وفقد وأصيب كثيرون منهم ، وبعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)م ،كانت هناك العديد من التسجيلات الوثائقية بفضل المراسلين الحربيين الذين نقلوا ووثقوا أحداث ووقائع المعارك وقتها.
لكن ما هو وضع المراسلين الحربيين في القانون الدولي الإنساني؟
في القانون الدولي الإنساني يجب التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في النزاعات المسلحة و هو حجر الزاوية، لأن غير المقاتلين هم (مدنيين) لهم اتفاقيات دولية كثيرة لحمايتهم ، أما الذين يرافقون الجيوش بموجب تصريح رسمي بذلك فإنهم مرتبطون بالنزاع المسلح في حد ذاته، وبالتالي فرص استهدافهم وتعرضهم للخطر أكبر ، لذلك فهم يتمتعون بالحماية الدولية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م ، وبالتالي إذا أُسر المراسل الحربي فإنه يعامل كأسير حرب وفق اتفاقية جنيف الثالثة والمكملة في البروتوكول الإضافي الأول والقانون الدولي العرفي ، بشرط أن يكون له ترخيص رسمي بمرافقة القوات المقاتلة في المعارك . أما (الصحفيون) الذين يقومون بمهام خطرة في مناطق النزاع المسلح فهم يتمتعون بالحماية المنصوص عليها في المادة 79 والبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977م المتعلق بالنزاعات المسلحة الدولية وكذلك في حالة النزاع غير الدولي بموجب القاعدة 34 للقانون الدولي الانساني العرفي التي نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2005م.
من جهة أخرى يتمتع الصحفي والمراسل بحكم وضعهم ك(مدنيين) بحماية القانون الدولي الإنساني من الهجمات أو الاستهداف العسكري بشرط ألا يشاركوا في العمليات الحربية كجنود ، وقد يرقى تعمد الهجوم علي الصحفي أو المراسل إلى جريمة حرب بمقتضى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية .
كثيراً ما يتعرض المراسل الحربي للإصابة أو الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي أو التعذيب وتخريب أجهزتهم وقصف مقراتهم واستهداف أسرهم، وهذة كلها أعيان مدنية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، وهناك ممارسات محظورة قد تشكل جرائم حرب.
نجد أن المادة 8 من نظام روما الأساسي تنص على أركان جريمة الحرب المتمثلة في القتل العمد للصحفيين وهي خمسة شروط :
1/أن يتم قتل صحفي أو مراسل .
2/أن يكون الشخص أو الأشخاص المستهدفين مشمولين (الصحفيين أو المراسلين) بالحماية وفق اتفاقية جنيف.
3/أن يكون مرتكب الفعل يعلم أن الشخص أو مجموعة الأشخاص صحافيين أو مراسلين .
4/أن يحدث الفعل في سياق نزاع مسلح دولي .
5/أن يكون مرتكب الجريمة علي علم بالظروف الواقعية التي تثبت وجود نزاع مسلح .
علي صعيد القضاء الدولي نجد في حصانة (جوناثان راندال) وهو صحفي أميركي بصحيفة (واشنطن بوست) سعت المحكمة لإجباره على الادلاء بشهادته بشأن مقابلة صحفية أجراها ، ثم أيدت غرفة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة بتاريخ 11ديسمبر 2002م أن المراسل الحربي أو الصحفي الذي يخدم في مناطق النزاع لا يجوز أن يجبر علي الادلاء بالشهادة إلا إذا توفر شرطان أولا أن تكون المعلومات المطلوبة حيوية للقضية ، ثانيا أن لا يمكن الحصول عليها بوسائل أخرى.
كما اعتبرت المحكمة أن المراسل الحربي ينبغي اعتباره مراقباً مستقلاً وليس شاهدا محتملا للادعاء ، وبالتالي له حصانة من الشهادة القضائية وفق قواعد الإثبات للمحكمة الجنائية الدولية، إذ تنص المادة 73 على أن “الاتصالات التي تمت في إطار علاقة صحفية مهنية يعتبر لها امتياز ولا تخضع بالتالي للافصاح عنها كمصدر ” . كما حث إعلان مادلين الصادر في مايو 2007م ، وهو إعلان صادر عن اليونسكو لتأمين سلامة الصحفيين وعدم الافلات من العقاب وحمايتهم بمناطق النزاع ، وحث الدول الأعضاء علي التصديق علي البرتوكولين الاضافيين الأول و الثاني لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي والامتثال بالالتزامات الواردة في قرار اليونسكو رقم 29 لإصدار تشريع لمقاضاة قاتلي الصحافيين والمراسلين الحربيين، الصادر عن المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو في دورته التاسعة والعشرين عام 1997م، ويعرف هذا القرار بقرار إدانة العنف ضد الصحفيين والمراسلين .
بموجب القانون الدولي الإنساني فإن قتل الصحفيين أو المراسلين في النزاعات المسلحة يعد جريمة حرب يترتب على ارتكابها مثول مرتكبيها – أياً كان وضعهم – أمام المحكمة الجنائية الدولية.