الصكوك الخضراء ودورها في تمويل مشاريع التنمية المستدامة: تمويل قطاع الكهرباء المتجددة نموذجًا (تجربة شركة الكهرباء السعودية) 3/2
Mazin
د. أحمد عبد الباقي
تناولت الحلقة الأولى الحديث عن أهمية الهدف السابع للتنمية المستدامة والسعي لتحقيقه من خلال عدة آليات استثمارية لتمويل استغلال الطاقة المتجددة؛ بغية الحصول على الكهرباء من مصادر نظيفة تكفي الحاجة وتخفض من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ولهذا اتُّخذت السندات التقليدية، والصكوك الإسلامية، والسندات الخضراء، والصكوك الخضراء؛ حيث وُجهت هذه الأخيرة مخصوصًا لدعم مشاريع التنمية المستدامة بالتركيز على قطاع الكهرباء. تستعرض هذه الحلقة تعريف السندات التقليدية، والصكوك الإسلامية، والسندات الخضراء، والصكوك الخضراء، ولمَ لهذه الآليات من دور متعاظم في تمويل الاستثمارات المعنية لدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030م. فما هي السندات الخضراء والصكوك الخضراء؟
الصكوك والسندات:
السندات: عرفها صندوق النقد العربي بأنها التزام مالي يتعهد بمقتضاه مُصدر السند أو المُقترض بأن يرد إلى الدائن أو المُقرض (المستثمرين) القيمة المقترضة، أو ما يعرف بالقيمة الاسمية للسند، إضافة إلى الفوائد الدورية على أصل المبلغ خلال أجل الالتزام. يهدف المُقترض (المستدين) من إصدار السندات إلى تغطية عجز الموازنة أو تمويل مشروعات البنية التحتية مثل شبكات الطرق، والمرافق العامة مثل قطاع الكهرباء أو شبكات الاتصالات أو المدارس أو المستشفيات، أو إنشاء خطوط إنتاج كما هو الحال في الشركات. يلجأ المقترضون إلى السندات باعتبارها أدوات تمويل متوسطة أو طويلة الأجل، وقد تكون هذه السندات إسلامية أو تقليدية (ربوية) حسب ضوابط جهة الإصدار. وبالمقابل نشأت الصكوك الإسلامية بديلًا للسندات التقليدية (الربوية)، وعرفت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الصكوك الإسلامية بأنها وثائق متساوية القيمة تمثل حصصًا شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات أو في ملكية موجودات مشروع معين أو نشاط استثماري خاص، وذلك بعد تحصيل قيمة الصكوك وقفل باب الاكتتاب وبدء استخدامها بعد استيفاء شروط وضوابط شرعية وضعتها هيئات الرقابة الشرعية للتمويل الإسلامي، مع العلم أنه يمكن أيضًا استخدام السندات والصكوك لتنفيذ مشاريع التنمية المستدامة.
الصكوك الخضراء والسندات الخضراء:
(أ) السندات الخضراء: عرفها البنك الدولي بأنها سندات دين تُصدر لجمع رأس مال خصيصاً لدعم مشاريع متعلقة بالبيئة. وعرفها بنك الشعب الصيني بأنها أوراق مالية تُصدر وفقاً لإجراءات قانونية، وتُدفع الفائدة وأصل المبلغ لها وفقاً للاتفاق المتضمن في الصك؛ بهدف جمع الأموال والترويج لتطوير الصناعات والمشروعات الخضراء والأنشطة الاقتصادية الخضراء. ولعل أبرز مثال على ذلك هو ما أقدم عليه مصرف الاستثمار الأوروبي في عام 2007م بابتكار أداة مالية جديدة أطلق عليها “السندات الخضراء”، لم تكن الغاية منها فقط جمع الأموال بل إشراك المواطن العادي كمستثمر مباشر في حماية البيئة، بحيث يشعر كل من يشتري هذه السندات أنه يؤدي دوراً في مواجهة أزمة التغير المناخي. وتعد مجموعة البنك الدولي إحدى أكبر الجهات المكتتبة للسندات الخضراء في العالم، حيث بلغت إصداراتها في عام 2008م أكثر من 16 مليار دولار أمريكي عبر إصدار أكثر من 200 سند أخضر لصالح استثمارات مرتبطة بالمناخ والبيئة. وحتى سبتمبر 2017، أصدر البنك 135 سنداً أخضر مقوماً بثماني عشرة عملة بإجمالي يزيد على ما يعادل 10.2 مليار دولار، فيما أصدرت مؤسسة التمويل الدولية 77 سنداً أخضر بقيمة 5.8 مليار دولار موزعة على 12 عملة.
(ب) الصكوك الخضراء: هي أوراق مالية إسلامية تصدرها الحكومات والبنوك والمصارف الإسلامية، وتوجه نحو الاستثمارات الخضراء مثل المشاريع الصديقة للبيئة والمسؤولة اجتماعياً في إطار التنمية المستدامة؛ لإتاحة الفرصة للمستثمرين المسلمين، ولرؤوس الأموال الإسلامية وغير الإسلامية للاستثمار بعقود مالية قائمة على أسس ومبادئ الشريعة الإسلامية إصداراً واكتتاباً. ومن أهم المشاريع التي تستهدفها الصكوك الخضراء في الوقت الحالي تمويل مشاريع الطاقة المتجددة، وخاصة إنتاج وتوليد الطاقة الشمسية الكهروضوئية، إضافة إلى مشاريع التنمية المستدامة الأخرى.
الفرق بين الصكوك الخضراء والسندات الخضراء: تختلف الصكوك الخضراء عن السندات الخضراء في كون هذه الأخيرة أدوات استدانة تصدرها الحكومات والبنوك التقليدية (الربوية) للحصول على الأموال للازمة لتمويل المشاريع المتعلقة بالبيئة النظيفة والطاقة النظيفة المتجددة، حيث يحصل حاملها على فائدة ثابتة ويعتبر دائناً وليس شريكاً للجهة المصدرة للسند، وهي بذلك مخالفة لأحكام الشريعة. بينما الصكوك الخضراء تصدرها بعض الدول والبنوك الإسلامية محلياً أو عالمياً لتمويل مشاريع متعلقة بالبيئة والطاقة المتجددة، ويعتبر حاملها شريكاً في المشاريع الاستثمارية وتخضع لأحكام الشريعة الإسلامية فهي جائزة شرعاً، وتتركز معظم صيغ الاستثمار فيها على صيغ عقود إسلامية مثل عقود: الاستصناع، الاستزراع، والإجارة، والمضاربة، والمشاركة، والمرابحة، والبيع بثمن آجل، والوكالة في الاستثمار… إلخ. هذا وقد تجاوز حجم سوق الصكوك الخضراء والسندات الخضراء مجتمعة عالمياً في عام 2025م (50) مليار دولار أمريكي، منها (9.47) مليار دولار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال النصف الأول من عام 2025م.
انتشار الصكوك الخضراء:
من أجل المساهمة في تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خُصصت الصكوك الخضراء لتمويل استثمارات المشاريع الخضراء ذات المنافع البيئية مثل: الطاقة المتجددة (توليد الكهرباء من المصادر المتجددة)، الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية (تجنب أو تقليل انبعاثات الكربون من خلال التركيز على المحافظة على الغطاء النباتي والبيئة النباتية)، المحافظة على التنوع البيئي، كفاءة وتخزين الطاقة، المرونة في مواجهة تغير المناخ، المباني الخضراء، النقل المستدام، السياحة الخضراء، الزراعة المستدامة، وإدارة النفايات الخ…..
خير مثال على اهتمام العالم بالصكوك الخضراء ما أشار إليه تقرير حول الصكوك الخضراء وصكوك الاستدامة -صدر بصورة مشتركة عن سوق الأوراق المالية بلندن، ومجلس التمويل الإسلامي ببريطانيا، والمبادرة العالمية للأخلاق المالية- من تراجع الإقبال على السندات التقليدية (الربوية) في عام 2024م، بينما شهد سوق الصكوك الخضراء وصكوك الاستدامة إقبالاً كبيراً، حيث بلغ حجم إصداراتهما 11.9 بليون دولار أمريكي. وتجدر الإشارة إلى أن صكوك الاستدامة هي أيضاً أدوات مالية إسلامية متوافقة مع أحكام الشريعة، تُخصص عوائدها بالكامل لتمويل أو إعادة تمويل مزيج من المشاريع البيئية (الخضراء) والمشاريع الاجتماعية. وتوائم هذه الصكوك بين المبادئ الأخلاقية للتمويل الإسلامي ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، مما يتيح للحكومات والشركات جمع رؤوس الأموال من مستثمرين يهتمون بالأثر الإيجابي المستدام. صدرت كلتا الصكوك الخضراء وصكوك الاستدامة عن شركات، وبنوك تجارية، وصناديق سيادية؛ هذا وتعتبر ماليزيا أول دولة تصدر صكوكًا خضراء مسؤولة اجتماعيًا في عام 2017م، ونال ذلك تشجيع واستحسان البنك الدولي، ثم تبعتها بعض الدول الإسلامية مثل: السعودية، وإندونيسيا، والإمارات، ودول المغرب العربي. ومن بين هذه الدول، تركز هذه المشاركة على تجربة المملكة العربية السعودية في الاستفادة من الصكوك الخضراء لتمويل استثمارات مشاريع التنمية المستدامة بصورة عامة، مع اتخاذ الشركة السعودية للكهرباء مثالًا لتنويع تلك الاستثمارات في مجال توليد الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة، وسيُستعرض ذلك في الحلقة الأخيرة المقبلة.ش