لنجعله عيدا للشهداء

فيما ارى

عادل الباز

مقدمة
ناموا لِتَنبُتَ في الثَرى أحلامُنا
فَوقَ الرُفاتِ وَتُزهِرَ الآمالُ
إن تضحيات الشهداء ليست سوى فصول من العطاء الأبدي، تتحول فيها تُراب الأرض إلى أرض خصبة تُنبت الحياة والأمل للأجيال القادمة. فالشهادة والموت في سبيل الوطن ليس نهاية للفناء، بل هو استمرار باذخ للوجود، و نبع متدفق لازدهار أمة. وهي رحلة انتقال كريمة، تُهدي صاحبها عبوراً سلساً من ضيق الحياة الدنيا وضنكها إلى سعة جنةٍ وارفة، عرضها السماوات والأرض، حيث الخلود والمقام الكريم.
1
“الشهداء أكرم منا جميعاً”، لطالما رددناها بألسنتنا، ولكن أين هي الأفعال؟ هم الآن منسيون؛ فلا الدولة ولا الذين ضحوا من أجلهم يذكرونهم حتى بالدعاء.
الذين عادوا إلى الخرطوم الآن مبتهجين، أدعوهم أن يذهبوا زرافات ووحداناً لزيارة قبور الشهداء في ‘سركاب’ وغيرها التي تمتد فيها القبور لآلاف على مد البصر، ليتذكروا أن عودتهم تلك دفع ثمنها مقدماً هؤلاء الشهداء الذين تغطي قبورهم أنحاء العاصمة، بل كافة أرجاء البلاد.
2
حتى نكون صادقين مع أنفسنا ووفيين لشهدائنا، علينا أن ننظر جميعاً إلى ما قدمناه لهم؛ وهل كان في مستوى تضحياتهم؟ أم أننا بمجرد أن نعمنا بالأمن والاستقرار نسيناهم؟
ترى، مَن يسأل منا عن أسر هؤلاء الشهداء وكيف يعيشون؟ ومَن يصرف على أطفالهم وما مستقبلهم؟ وما دورنا؟ ومَن الملقى على عاتقه رعايتهم الآن وغداً؟
الآن وقد وافى العيد، ماذا سنقدم لهم؟ لدي أربعة اقتراحات أرجو أن تجد أذناً صاغية من الشعب والحكومة والجيش:
● أدعو الشعب أن يجعل من صلاة عيد الأضحى هذا يوماً لذكراهم يُعلى فيها ذكرهم. لنحمل صورهم على صدورنا في ميادين الصلوات؛ فلا شك أن في كل منطقة شهيداً، فلنذكره ونرفع له الدعاء ونبر أهله بزيارات جماعية.
● أدعو سكان الأحياء أن يلتمسوا حاجة أسر الشهداء ويفعلوا ما هو ممكن لسد ضائقتهم وألا يضطروهم للسؤال؛ احملوا هداياكم لأطفالهم واذكروا لهم محاسن آبائهم وشجاعتهم وفضلهم على الحي، بل السودان كله.
3
هذا العيد فرصة للحكومة لتظهر لأسر الشهداء وللشعب أنها على قدر من الوفاء لشهداء الوطن. نرجو أن ينهض رئيس الوزراء السيد كامل إدريس وكامل طاقمه بإحياء ذكرى الشهداء في أرجاء العاصمة والأقاليم بزيارة قبورهم والترحم عليهم، ثم الطواف على أحياء مختارة قدمت شهداء كثر، وبعض بيوت الشهداء كدلالة رمزية يستحقونها. ولا شك أن رئيس الوزراء الذي يرتاد الأسواق والميادين سيكون وفياً للذين جعلوا جلوسه على رأس الوزارة وطوافه ذلك ممكناً؛ إذ يمكن للحكومة أن تعلن هذا العيد الأول بعد العودة للخرطوم “عيداً للشهداء”، تُزين فيه الشوارع الرئيسية بعبارات التمجيد، و ادعو الجمهور لزيارة أماكن محددة دارت فيها معارك فاصلة وشهدت أعلى معدل للشهداء مثل (القيادة العامة وسركاب) وغيرهما.
4
أدعو قيادة الجيش إلى عمل طابور شرف في كل الوحدات العسكرية والمتحركات يُحيون فيها ذكرى الشهداء ويستذكرون مآثرهم وفاءً لرفاق دربهم؛ فما أقسى أن ينسى إخوة الخنادق رفاقهم. أدعو الرئيس البرهان أن يخصص جل خطابه في العيد لإبراز التضحيات التي قدمها آلاف الشهداء في معركة الكرامة، وأن يدعو لمعايدة كبار الضباط وسط قبور الشهداء في القيادة العامة، ووضع حجر أساس لنصب تذكارية في أهم مناطق المعارك تُكتب فيها أسماء الشهداء. كما أدعو قيادات الجيش للتحرك في يوم العيد صوب “المتحركات” المنتشرة في الخلاء لرفع الروح المعنوية لكافة المقاتلين في الميدان وتثمين دورهم ودور رفاقهم الشهداء.
5
لا بد أن تسارع الجاليات في كل مراكزها في المهجر بتخصيص يوم من أيام العيد لإقامة الصلوات على الشهداء وإقامة ندوات ومعارض إحياءً لذكراهم، وأن يبحثوا مستقبلاً عن واجبهم في رعاية أسر الشهداء بتبني جسم خارج الدولة يساهم في كل ما هو ضروري للأيتام من أبناء الشهداء. لنتذكر أن هناك مَن حفظ لنا وطناً سنعود إليه يوماً ما؛ وطناً نسير فيه برؤوس مرفوعة ولا نتلفت خوفاً. اللهم آمنا في أوطاننا.
6
أدعو السيد وزير الإعلام الصديق خالد الإعيسر أن يوجه أجهزته لتخصيص زمن مُقدَّر في العيد للشهداء؛ عبر برامج وثائقية تُبرز تضحياتهم، وبرامج مع أسرهم، وبرامج أطفال تستضيف أبناءهم في منازلهم.
7.
الدور الثقافي والتعليمي لترسيخ الذاكرة
أدعو المؤسسات الثقافية والتعليمية إلى تفعيل دورها في ترسيخ هذه الذكرى الخالدة، مُعلنة تبني برنامج يُشهر دورها في ترسيخ ذكرى شهداء معركة الكرامة. وأقترح على وزارة التربية والتعليم ووزارة الإعلام والثقافة والجهات المعنية أن تتبنى برنامجاً يشمل الآتي:
● توثيق قصص الشهداء: إطلاق برنامج وطني شامل لتوثيق قصص الشهداء وبطولاتهم وتضمينها في المناهج التعليمية والتربوية، لضمان أن تبقى تضحياتهم محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة.
● إقامة المعارض الدائمة: تخصيص مساحات في المتاحف والمكتبات الوطنية لإقامة معارض دائمة لبطولات “معركة الكرامة”.
● الفنون التذكارية: تكليف الفنانين والنحاتين بإقامة أعمال فنية ومنحوتات تذكارية في الميادين العامة تخليداً لأسمائهم وأفعالهم.
8
عندما تُطوى صفحات هذا العيد المبارك، وتخفت أصداء التكبير والتهليل، سيأتي غدٌ يحمل في طياته عبء المسؤولية المؤسسية لإصلاح ما أفسده الإهمال في حق أسر الشهداء. ذلك حديث المستقبل الطويل. أما في هذا اليوم، فليس هناك صوت يعلو فوق صوت الوفاء الخالص والتمجيد لـ “أكرم منا جميعاً”. ففي كل خطوة نخطوها على هذه الأرض وفي كل نسمة أمن نتنفسها، هي شهادة حيّة على أن تضحياتهم هي الثمن الباذخ لعودتنا المظفرة. فبفضلهم، وبفضل الله، عدنا لنمشي على تراب بلادنا لا “نتلفت”خوفا، هاماتنا مرفوعة مهللين ومكبرين. اللهم ارحم شهداءنا وأسكنهم جنة عرضها السماوات والأرض.

Exit mobile version