ما الذي لا نراه؟

بقلم: عصماء عاصم

تمرُّ النِّعم بنا في هدوءٍ يليق بعظمتها؛ فلا تُحدث ضجيجًا يلفت الأنظار، ولا تستأذن في الحضور، حتى إذا غابت، ارتفع في القلب من الضجيج ما لا تُسكته الكلمات.

ولسنا، في حقيقة الأمر، نعاني قلةَ النظر، وإنما نعاني قلةَ الالتفات. فالعين تُبصر الوجوه والطرقات، أما القلب فلا يُبصر إلا ما لم يألفه بعد. فإذا طال الأُنس بالنعمة، خبا وهجها في الشعور، وإن بقيت ساطعةً في واقع الحياة.

وليس أخطر ما في الاعتياد أنه يجعل الأشياء قديمة، بل أنه يجعل النعم غير مرئية. وما أقسى أن يعيش الإنسان في بستانٍ وارف، ثم لا يرى منه إلا الأوراق اليابسة.

وكم من نعمةٍ نعبر بها كل صباح، ولا نعبر إليها! نستيقظ آمنين، فنحسب الأمن من طبائع الحياة، ونمضي في أوطاننا مطمئنين، حتى يخيل إلينا أن الوطن حقٌّ لا يزول، لا منحةٌ تستوجب الحمد. وما الوطن في حقيقته إلا سكينةٌ تسكن الإنسان قبل أن يسكنها؛ فإذا اضطرب الأمن، ضاقت الأرض وإن اتسعت، وإذا فُقد الوطن، أدرك المرء أن للحنين وطنًا لا تُبلغه المسافات.

ونمضي تحت ظلال الستر، حتى نظنه ثوبًا لا يتمزق، مع أنه من أجلِّ النعم وألطفها. فالستر ليس أن تخفى العيوب عن أعين الناس فحسب، بل أن تمتد رحمة الله إلى الإنسان كلما زلَّ، وأن تُحفظ له كرامته في زمنٍ يهوى كشف العثرات وتتبع الزلات.

ونعتاد الأسرة حتى نغفل عن عظمة وجودها. نعتاد صوت الأم وهي تدعو، وسؤال الأب وهو يطمئن، واجتماع الأحبة حول مائدةٍ واحدة، حتى يخيل إلينا أن ذلك من بدهيات الحياة. ثم تمضي الأيام، فنكتشف أن بعض البيوت لا ينقصها الأثاث، وإنما ينقصها الدفء، وأن بعض الناس لا يبحثون عن الرفاهية، بل عن كتفٍ يأوون إليه حين تثقلهم الحياة.

والعلم… نعمةٌ لا تُقاس بما تمنحه من معلومات، بل بما تفتحه من آفاق. إنه النور الذي يحرر العقل من أسر الجهل، ويهذب الرأي، ويعلِّم الإنسان أن الحقيقة أوسع من رأيه، وأن الحكمة تبدأ حين يدرك المرء أن المعرفة بحرٌ لا ساحل له.

وهناك نعمٌ لا تُرى بالعين، ولكن تُرى آثارها في الأرواح؛ نعمةُ العفو حين يكون الانتقام أيسر، ونعمةُ الصمت حين يكون للكلام ثمنٌ لا يُحتمل، ونعمةُ أن يحمل الإنسان قلبًا يتسع لنجاح الآخرين كما يتسع لنجاحه. فهذه الخصال لا تصنع إنسانًا صالحًا فحسب، بل تصنع مجتمعًا تطيب الحياة فيه.

ولعل أشد ما يؤلم أن الإنسان لا يغفل عن النعم وحدها، بل يغفل عمَّن كانوا سببًا في دوامها. يمر بعامل النظافة فلا يراه، ويأخذ من المعلم علمه كأنه واجب، ومن الطبيب سهره كأنه أمرٌ مألوف، ومن الأم دعاءها، ومن الأب تعبه، حتى يصبح الجميل عادة، والعطاء أمرًا لا يُلتفت إليه.

بعض النعم لا ترحل من حياتنا أولًا، بل ترحل من وعينا. فإذا أيقظها الفقد، كان الندم أبطأ الزائرين، وأثقلهم مقامًا.

فلعلنا لا نحتاج إلى نعمٍ أكثر، بقدر ما نحتاج إلى قلوبٍ أكثر انتباهًا؛ قلوبٍ تعرف أن الامتنان ليس كلمةً تُقال، بل بصيرةٌ ترى ما اعتاده الناس، فتزداد له شكرًا.

فليس أفقر الناس من قلَّت نعمه، وإنما من كثرت نعمه حتى كفَّ عن رؤيتها.

Exit mobile version