الدولة بعد الحرب: من يعيد بناء الجهاز الذي يبنيها؟ (1-2)
Mazin
د. الصادق علي حاج الشيخ
حين تنتهي الحرب، يبدأ السؤال الأصعب: كيف نعيد بناء دولة قادرة على أن تبني ما تهدم، وتحفظ ما يُبنى، وتصنع للمواطن مستقبلاً مختلفاً؟ ليس الخراب ما تراه العين وحده.. فحين تعبر الحرب المدن، قد تهدم بيتاً، وتحرق طريقاً، وتغلق مدرسة، وتطفئ نافذة مستشفى؛ لكن الخراب الأعمق هو ما يتسلل في صمت إلى روح المكان، وإلى ذاكرة المؤسسات، وإلى قدرة الدولة على أن تعرف ما تريد، وأن تفعله في الوقت الذي ينبغي، وبالطريقة التي ينبغي. وحين يهدأ صوت الحرب، وتبدأ البلاد في التقاط أنفاسها، لا يكون السؤال فقط: ماذا تهدم؟ وكيف نبنيه؟ بل يصبح السؤال الأشد عمقاً: أي دولة نريد أن نبني؟ فالأوطان لا تنهض بالحجر وحده، ولا تُعاد إليها عافيتها بطلاء الجدران وإعادة فتح الأبواب. الدولة كائن حي؛ لها عقل يخطط، ويد تنفذ، وذاكرة تحفظ، وضمير يراقب، وقلب هو المواطن الذي من أجله وجدت. ومن هنا تبدو الخدمة المدنية في السودان أكثر من جهاز من الوزارات والوحدات والموظفين. إنها الخيط الهادئ الذي يصل الدولة بحياة الناس اليومية؛ في المدرسة التي تفتح أبوابها، والمستشفى الذي يستقبل مريضاً، والأرض التي تسجل، والوثيقة التي تصدر، والمال العام الذي يُدار، والمشروع الذي يُنجز، والطريق الذي يصل قرية بمدينة. وحين يضعف هذا الخيط، لا تسقط الدولة دفعة واحدة؛ وإنما تتآكل ببطء، فيتسع الفارق بين ما تقوله القوانين وما يعيشه الناس، وبين ما ترسمه الخطط وما يصل إلى المواطن، وبين ما تنفقه الدولة وما تحققه من أثر. الحرب كشفت هشاشة قديمة لقد كشفت الحرب حجم ما أصاب مؤسسات الدولة من أضرار، لكنها لم تصنع كل أوجه الضعف التي نعاني منها. فقد سبقتها تراكمات طويلة من المشكلات الإدارية، شملت تداخل الاختصاصات، وضعف التخطيط للقوى العاملة، وتراجع التدريب، واختلال بعض نظم التعيين والترقي، وضعف الربط بين المسؤولية والنتيجة، وتفاوت القدرات بين المؤسسات والمستويات الحكومية. ومن هنا فإن العودة إلى ما كان عليه الجهاز الإداري قبل الحرب ليست بالضرورة هي الهدف الصحيح. لقد أتاحت لنا هذه اللحظة القاسية فرصة نادرة لإعادة النظر في الأساس نفسه: كيف ينبغي أن تعمل الدولة السودانية؟ فليس المطلوب إعادة الماضي كما كان، وإنما التعلم منه، ثم بناء جهاز حكومي أكثر قدرة على مواجهة السودان الذي سيخرج من الحرب، بما يحمله ذلك السودان من احتياجات هائلة في إعادة الإعمار والتنمية والخدمات وإدارة الموارد.
الخدمة المدنية .. قضية دولة لا قضية موظفين:
كثيراً ما يُختزل الحديث عن الخدمة المدنية في عدد الموظفين وحجم المرتبات. غير أن الخدمة المدنية في جوهرها هي الأداة التي تتحول من خلالها سياسات الدولة إلى أفعال. فالمدرسة لا تعمل بالقرار وحده، والمستشفى لا يقدم الخدمة بالنصوص، ومشروع الطريق لا يكتمل بمجرد اعتماده في الموازنة. خلف كل ذلك موظفون ومهندسون ومحاسبون ومخططون وفنيون ومديرون وقيادات يحملون المعرفة المؤسسية ويحولون القرارات إلى واقع. ولهذا فإن الموظف العام ليس مجرد بند في الموازنة، وإنما جزء من رأس المال المؤسسي للدولة. ولا يعني ذلك أن كل ما في الخدمة المدنية صالح أو أن كل موظف يؤدي عمله بالكفاءة المطلوبة؛ وإنما يعني أن الإصلاح ينبغي أن ينظر إلى الموظف باعتباره جزءاً من الحل، وأن يعمل على إطلاق طاقته بدلاً من اختزاله في كلفة مالية.
هل الوظيفة العامة جاذبة أم طاردة؟
وهنا يبرز سؤال يستحق أن يكون في قلب النقاش: هل الوظيفة العامة في السودان ما تزال جاذبة للكفاءات أم أصبحت طاردة لها؟ فالوظيفة العامة لا تجذب أصحاب الكفاءة بالراتب وحده، وإن كان الراتب العادل شرطاً أساسياً. إنها تجذبهم أيضاً عندما توفر مساراً مهنياً واضحاً، وبيئة عمل محترمة، وفرصاً للتعلم والتقدم، ونظاماً عادلاً للتقييم والترقي، وشعوراً بأن المعرفة والخبرة لهما قيمة داخل المؤسسة. وإذا أصبح القطاع العام عاجزاً عن الاحتفاظ بالكفاءات أو استقطابها، فإن الدولة تفقد شيئاً لا يمكن تعويضه بسهولة: ذاكرتها المهنية وقدرتها الفنية. وفي المقابل، فإن الدولة من حقها أن تسأل: ما القيمة التي يضيفها كل موقع وظيفي؟ وهل تتناسب الموارد التي تنفق على المؤسسة مع النتائج التي تحققها؟ وهل يحتاج الجهاز الحكومي إلى كل هذه الوظائف والوحدات والهياكل؟ السؤالان مشروعان، ولا يتعارضان.. الموظف يحتاج إلى دولة تنصفه، والدولة تحتاج إلى موظف يؤدي مسؤوليته بكفاءة. وبين الاثنين يجب أن ينشأ عقد إداري جديد يقوم على الأجر العادل مقابل العمل، والتقدير مقابل الإنجاز، والمساءلة مقابل المسؤولية.
المواطن والموظف .. وجهان للعلاقة نفسها:
ثم يأتي السؤال الآخر: هل المواطن راضٍ عن الخدمة التي تقدمها له الدولة؟ ليس من الصعب أن نجد مواطناً يشتكي من طول الإجراءات أو كثرة النوافذ أو غموض المسؤوليات أو بطء إنجاز المعاملة. لكن من الخطأ أن تتحول هذه الشكاوى تلقائياً إلى إدانة للموظف. فالموظف يعمل داخل منظومة قد تكون إجراءاتها معقدة، وصلاحياتها متداخلة، ومواردها محدودة، ونظمها التقنية ضعيفة. وقد يكون الموظف نفسه راغباً في إنجاز العمل، لكنه لا يملك الأدوات أو الصلاحيات التي تمكنه من ذلك. وفي المقابل، تظل هناك مسؤولية مهنية على الموظف في الانضباط وحسن التعامل والالتزام بالقانون وأداء العمل. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: من المخطئ، الموظف أم المواطن؟ بل: كيف نصمم مؤسسة تجعل خدمة المواطن أسهل، وتجعل الموظف أكثر قدرة على أداء عمله؟
هل المشكلة في الموظف أم في النظام؟
من السهل أن نضع كل شيء على عاتق الموظف، ومن السهل كذلك أن نعفيه تماماً من المسؤولية ونضع كل اللوم على النظام. والحقيقة أكثر تعقيداً. الموظف مسؤول عن سلوكه وأمانته وانضباطه، لكن أداءه يتأثر أيضاً بالبيئة المؤسسية التي يعمل فيها. فإذا كانت الوظائف غير واضحة، والصلاحيات متداخلة، والحوافز ضعيفة، والتدريب محدوداً، ومعايير التقييم غير واضحة، فإن المؤسسة لا تساعد الموظف على أن يكون في أفضل أداء ممكن. لذلك لا ينبغي أن يكون الإصلاح حملة للبحث عن المخطئين، وإنما مشروعاً لبناء نظام يجعل الأداء الجيد ممكناً، والكفاءة ذات قيمة، والتقصير قابلاً للمعالجة والمساءلة.
إعادة رسم خريطة الدولة:
ولعل أهم ما تحتاجه الخدمة المدنية السودانية هو إعادة النظر في هياكل الدولة نفسها. فقد تراكمت عبر السنوات وزارات ووحدات وهيئات ومؤسسات مستقلة، وتداخلت في بعض المجالات الاختصاصات والمسؤوليات. وفي بعض الحالات قد تجد أكثر من جهة تعمل في المجال نفسه، أو تقوم بمهام متقاربة دون تنسيق كافٍ. وهنا تظهر الحاجة إلى مراجعة مؤسسية شاملة لا تستهدف التقليص لمجرد التقليص، وإنما تسأل: ما وظيفة كل وزارة؟ وما الذي ينبغي أن تقوم به وحداتها؟ وما المؤسسات التي يمكن دمجها؟ وما المهام التي يمكن توحيدها؟ وما الذي ينبغي تفويضه إلى الولايات؟ وما الوظائف التي لم تعد الدولة بحاجة إلى القيام بها بالطريقة نفسها؟ الغاية هي الوصول إلى جهاز حكومي واضح المسؤوليات، أقل ازدواجية، أكثر رشاقة، وأعلى قدرة على الإنجاز. الظل الإداري في مثل هذه البيئة ينشأ ما يمكن تسميته بـ«الظل الإداري»: إجراءات متكررة، ووحدات متداخلة، ومسؤوليات موزعة بين أكثر من جهة، وأحياناً وظائف لا تتناسب مع حجم العمل الحقيقي. وهذا الظل لا يعني بالضرورة وجود موظفين لا يعملون؛ فقد يكون الموظف كفؤاً ومخلصاً، لكنه يعمل داخل هيكل صُمم بطريقة تجعل جزءاً من طاقته يضيع في الإجراءات والتنسيق والتكرار. وهنا يصبح إصلاح الهيكل وسيلة لتحرير الموظف نفسه من العبء الإداري غير الضروري. السودان الذي نريد بناءه السؤال في النهاية ليس كيف نعيد الخدمة المدنية إلى الماضي، وإنما كيف نجعلها قادرة على المستقبل. السودان الذي سيخرج من الحرب سيحتاج إلى جهاز حكومي يستطيع إدارة إعادة الإعمار، واستقطاب الاستثمار، وتطوير الخدمات، وإدارة الموارد، وبناء البنية التحتية، وتوسيع التعليم والصحة، وإدارة العلاقة بين المركز والولايات. وهذا السودان لا يمكن أن تديره مؤسسة مثقلة بالتداخل والإجراءات القديمة. إننا أمام فرصة لإعادة تعريف الخدمة المدنية: من جهاز يدار باللوائح والإجراءات إلى جهاز يدار بالأهداف والنتائج؛ ومن موظف مرتبط بمكتب ثابت إلى كفاءة يمكن أن تتحرك حيث تحتاج الدولة؛ ومن مؤسسة تقيس نجاحها بحجم ما لديها إلى مؤسسة تقيس نجاحها بما تنجزه.
يتبع في الجزء الثاني: كيف يمكن بناء جهاز حكومي للدولة الجديدة؟