طغيان الخصم على المشروع الوطني!

خالد محمد أحمد

من أكثر التصوُّرات إفسادًا للممارسة السياسية السودانية أن يتحوَّل الخصم في كثيرٍ من الأحيان إلى محور السياسة، بينما ينزوي المشروع الوطني جانبًا.

الاختلاف بين القوى السياسية أمرٌ طبيعي، بل هو من صميم أيِّ حياةٍ سياسيةٍ صحية، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح إثبات خطأ الخصم، أو إقصاؤه، أو تحميله مسؤولية كلِّ ما جرى أهمَّ من التنافس على تقديم رؤًى وبرامج لإدارة الدولة؛ فما إن تتبدَّل موازين القوة ويصل المعارض إلى السلطة، حتى تبدأ معركةٌ جديدة لتصفية الحسابات، إذْ يُنظَر إلى بلوغ السلطة على أنه تفويضٌ لإبعاد المنافسين، وفرصةٌ لاحتكار المجال العام.

ولعلَّ قصة رئيس الوزراء البريطاني الجديد، أندي بيرنهام، تُقدِّم مثالًا جديرًا بالتأمُّل رغم الفارق الكبير بين التجربتين البريطانية والسودانية في ثقافة التعامل مع المنافسة؛ إذْ خاض بيرنهام انتخابات زعامة حزب العمَّال عام 2010 منافسًا إدْ ميليباند وآخرين،وانتهت بفوز ميليباند بالزعامة؛ لكن الأخير لم يتعامل مع منافسه على أنه خصمٌ ينبغي التخلُّص منه، بل أبقاه في الصفِّ الأول للحزب وأسند إليه حقيبة الصحة في حكومة الظلِّ. ثم خاض بيرنهام المنافسة مرةً أخرى عام 2015 وخسر أمام جيريمي كوربين، فاتَّجه إلى العمل التنفيذي عمدةً لمانشستر الكبرى، حيث بنَى سِجلًّا من الإنجازات عزَّز رصيده السياسي.

وعندما انعكست الأدوار بعد سنوات، عاد بيرنهام رئيسًا للوزراء، وقَبِل ميليباند أن يتولَّى حقيبةً سيادية في حكومته.

تكشف هذه القصة أن المنافسة انتهت بانتهاء التنافس، ثم انتقل الغريمان السابقان إلى مرحلةٍ جديدة عنوانها العمل لا تصفية الحسابات؛ فالمنتصر لم يعتبر فوزه تفويضًا لإلغاء منافسه، والخاسر لم يعتبر خسارته نهايةً لدوره السياسي.

قد يقول قائلٌ إن هذا المثال يتعلَّق بمنافسةٍ داخل حزبٍ واحد، بينما الحديث هنا عن الصراع بين الأحزاب والكيانات المختلفة في السودان. هذا صحيحٌ من حيث شكل المنافسة، لكن المقصود هو المقارنة بين الثقافة السياسية التي تحكُم التعامل مع الخصوم بعد انتهائها؛ فإذا كان الحزب قادرًا على الاحتفاظ بمنافسي الأمس والاستفادة من خبراتهم، فمن باب أولى أن تتَّسع الدولة لجميع أبنائها بعد حسم التنافس السياسي.

في السودان، يحدث العكس في كثيرٍ من الأحيان؛ إذْ يُنظَر إلى الوصول إلى السلطة على أنه نهاية حقِّ الآخرين في المشاركة في الشأن العام. ولذلك ترسَّخت عبر تجاربَ متعاقبة ممارسةٌ تجعل الانتصار السياسي بصرف النظر عن مشروعيته بدايةً لمعركةٍ جديدة هدفها تثبيت النفوذ وإبعاد المنافسين، بدلًا من بناء مؤسساتٍ قادرةٍ على الاستمرار مهما تغيَّرت الحكومات. وقد ساهمت هذه الثقافة في تحويل الدولة من مؤسسةٍ عامة تخدم الجميع إلى ساحةٍ للصراع السياسي، فتُستبعَد الكفاءات بسبب انتمائها إلى الطرف الآخر حتى في كثيرٍ من المواقع التي يُفترَض أن يكون معيار الاختيار فيها هو الكفاءة لا سواها. وأصبح السؤال عند كلِّ انتقالٍ سياسي عمَّن سيُستبعَد قبل أن يكون عن المشروع الذي سيُنفَّذ.

ورغم اختلاف السياقات السياسية بين تجربة التمكين في عهد الإنقاذ وتجربة إزالة التمكين بعد عام 2019، فإن القاسم المشترك بينهما كان استخدام الانتماء السياسي معيارًا مُؤثِّرًا في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة.

ولعلَّ أكثر الأمثلة وضوحًا على استمرار هذا المنطق في الخطاب السياسي السوداني اليوم هو الجدل الدائر بشأن مشاركة الإسلاميين؛ إذْ تُطرَح شعاراتٌ مثل “ما عدا المؤتمر الوطني” وكأنَّها أحكامٌ سياسيةٌ نهائية تتجاوز القانون، فيُعامَل الخصم وكأنَّه مدانٌ بمجرَّد انتمائه السياسي قبل أن تقول المؤسسات القضائية كلمتها. وبذلك، تصبح السياسة بديلًا عن العدالة، ويحلُّ التصنيف السياسي محلَّ سيادة القانون؛ إذْ إن الدعوات إلى استبعاد الإسلاميين لا تستند إلى نصٍّ قانوني أو قاعدةٍ دستورية تُجرِّم هذا الانتماء في حدِّ ذاته، بل تقوم على مواقفٍ سياسية. وقد تعزَّز حضور هذا الخطاب في السنوات الأخيرة بمعايير ومقولاتٍ تشكَّلت في سياقاتٍ خارجية رغم أن بعض القوى المدنية كانت قد قبِلت في مراحلَ سابقةٍ بتسوياتٍ ضمَّت إسلاميين تبريرًا لما وصفته آنذاك بالتعامل مع الممكن سياسيًا. ولذلك، فإن الحديث عن إقصاء أيِّ تيارٍ من الحياة السياسية يظلُّ من الناحية الدستورية سابقًا لأوانه ما لم تُقِرَّه مؤسساتٌ مختصَّة وفقًا للإجراءات الدستورية والقانونية المرعيَّة.

لكن هذه الثقافة تتجاوز حدود الإقصاء إلى طبيعة الخطاب السياسي نفسه؛ إذْ يغلب على جانبٍ مُعتبرٍ من الكتابات الصحفية، والمناظرات السياسية، والنقاشات العامة استسهالُ تشخيص العِلَّة أكثر من الاجتهاد في وصف العلاج، فيُستنفَد قدرٌ كبيرٌ من الجهد في تعداد أخطاء الخصوم، بينما يتراجع الاهتمام بطرح البدائل والرؤى والبرامج “القابلة للتطبيق” والقادرة على معالجة تلك الأخطاء.

ولعلَّ خير ما يُجسِّد هذا الفرقَ مقارنةٌ بين برنامجي “صور مقلوبة” لعبد العليم الطاهر و”خواطر” لأحمد الشقيري؛ فقد كان عبد العليم يلتقط صورًا من الواقع السوداني تستحقُّ النقد، ثم يختتم حلقاته بعبارته الشهيرة: “الصورة دي مقلوبة ولازم نعدِّلها”. أمَّا كيف تُعدَّل، فكان ذلك متروكًا في الغالب لاجتهاد المتلقِّي. ولم تكن المقارنات غائبةً عن برنامجه، لكنها كانت تأتي غالبًا في إطار الحثِّ على التكيُّف مع الواقع أكثر من تقديم نموذجٍ عملي لتغييره. وعلى الجانب الآخر، لم يكن أحمد الشقيري يُقدِّم حلولًا جاهزة لكلِّ مشكلة، لكنه كان يقرِن النقد بعرض تجربةٍ نجحت في تجاوزها، فيتحوَّل النقد من مجرَّد إدانةٍ للواقع إلى دعوةٍ للتعلُّم ومصدرٍ للإلهام وصناعة البديل.

ولا أقصد بهذه المقارنة المفاضلة بين البرنامجين، بل الإشارة إلى الفرق بين ثقافةٍ تكتفي بالوقوف عند تشخيص الخلل، وأخرى تنطلق منه إلى البحث عن سبُل إصلاحه. وهذا هو الفارق نفسه بين خطابٍ سياسي يستهلك معظم جهده في إدانة الخصوم وإثبات أخطائهم، وخطابٍ يجعل همَّه الأكبر طرح البدائل وصناعة الحلول.

ومن أنصع الأمثلة على هذه العقليَّة السجالُ المستمر منذ اندلاع الحرب بشأن مَن أطلق الطلقة الأولى. ولا شكَّ أن معرفة الحقيقة وتحديد المسؤولية أمران مهمَّان، وأن المحاسبة لا تستقيم من دونهما، لكن المشكلة أن هذا السؤال ابتلع ما عداه؛ فاستهلكنا وقتًا وجهدًا هائلين في إثبات مسؤولية الطرف الآخر والتنصُّل منها على حساب الحديث عن كيفية وقف الحرب، وإعادة بناء الدولة، وعودة النازحين، وإصلاح الاقتصاد، وترميم النسيج الاجتماعي الذي مزَّقته الحرب. وكأنَّ إثبات المسؤولية أصبح مشروعًا سياسيًا قائمًا بذاته، لا مدخلًا لمعالجة آثارها.

ولم يكن مستغربًا أن تصل بعض القوى إلى السلطة وهي تحمل إرثًا كبيرًا من النقد والهدم، ورصيدًا ضئيلًا من مشاريع البناء؛ فقد عرفت جيدًا ما ترفضه، لكنها لم تحسم بالوضوح نفسه ما تريد أن تُنجزه. وحتى حين تُطرَح بدائل، فإنها تأتي في أحيانٍ كثيرة على هيئة شعاراتٍ إقصائية أو مطالبَ تتجاوز حدود الممكن السياسي.

الشاهد أن السودان اليوم ليس في حاجةٍ إلى مزيدٍ من تشخيص أزماته؛ فحجمُ الكارثة لم يعُد محلَّ خلاف. ما يحتاج إليه حقًّا هو الانتقال من ثقافة الانشغال بالخصوم إلى ثقافة التنافس على المشاريع، ومن ثقافة الاعتراض إلى ثقافة الاقتراح، ومن مهارة اكتشاف الأخطاء إلى مهارة صناعة البدائل؛ فالبلاد زاخرةٌ بالنقَّاد، لكنها لا تزال فقيرةً في أصحاب الرؤى والمشاريع.

26 يوليو 2026

Exit mobile version