1.4 تريليون دولار ثمناً للصمت الأميركي.. الإمارات تدفع لشراء البراءة من الدم السوداني
Mazin
الصادق البديري
في مشهد يجمع بين الكوميديا السوداء والدعاية المكلفة، استضاف فندق “ويلتون بارك” في لندن مؤتمراً “علمياً” الأسبوع الماضي، رعته جهات مرتبطة بالإمارات، بهدف تبرئة أبوظبي من الاتهامات المتزايدة بدعمها العسكري لقوات الدعم السريع في السودان.
لكن المفارقة أن المؤتمر، الذي كلف نحو 600 ألف دولار، جاء متزامناً مع سلسلة تقارير دولية وأدلة ميدانية تضع الإمارات في قلب الحرب السودانية.
ويُقدم المنظمون المؤتمر كمنصة “محايدة” تهدف إلى “كشف التضليل الإعلامي”، مستعينين بخبراء يتحدثون عن “غياب الأدلة” على تورط الإمارات.
غير أن الأدلة التي لا يريدون رؤيتها، متراكمة في تقارير منظمات حقوقية وصحف كبرى، تروي قصة مختلفة تماماً، وتجعل من هذا المؤتمر أشبه بـ”أكروبوليس البراءة” الذي ينهار عند أول هزة.
في 26 مايو/أيار 2026، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً مفصلاً بعنوان “From Bogotá to El Fasher”، كشفت فيه عن تورط شركة الأمن “غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب” (GSSG) في تجنيد مئات المرتزقة الكولومبيين، ونقلهم إلى الإمارات للتدريب في قاعدتي غياثي والوثبة، قبل إرسالهم للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، ووثق التقرير شهادات مرتزقة كولومبيين تحدثوا عن تدريبهم على يد مواطنين إماراتيين ومشاركتهم في معارك دارفور.
ويُضاف إلى ذلك تحقيق بي بي سي في 22 أبريل/نيسان 2026، الذي اعتمد على بيانات الهواتف المحمولة للمقاتلين الكولومبيين، وكشف أنهم تنقلوا من قاعدة إماراتية إلى السودان قبيل سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر.
وأظهر التحقيق تورطهم في تشغيل طائرات مسيّرة واستخدام مدفعية ثقيلة، في دور حاسم قلب موازين المعركة لصالح قوات الدعم السريع.
وفي يونيو/حزيران 2026، نشرت صحيفة إل باييس الإسبانية تقريراً بعنوان “مرتزقة أمريكا اللاتينية يقاتلون مع قوات الدعم السريع”، كشفت فيه أن الشبكة توسعت لتشمل متعاقدين من السلفادور ودول أخرى، وأن شركة “A4SI” الكولومبية كانت تنشر إعلانات غامضة عن وظائف لطيّاري مسيّرات في أفريقيا برواتب تتراوح بين 2500 و3000 دولار.
وفي 2 يونيو/حزيران 2026، وثق تقرير “أول أفريكا” الشحنة الأخيرة من المرتزقة، التي نُقلت عبر جمهورية أفريقيا الوسطى على متن طائرات “رويال إير ماروك”، قبل أن يعبروا إلى نيالا في جنوب دارفور.
وفي المقابل، حاولت الإمارات في مؤتمر “ويلتون بارك” طرح رواية بديلة، زاعمة أن التقارير الدولية “مضللة” وتستند إلى “مصادر غير موثوقة”.
لكن السخرية بلغت ذروتها عندما تجاهل المشاركون في المؤتمر حقيقة أن وزير الخارجية الإماراتي كان قد أعلن في 27 يونيو/حزيران 2026، أمام مجلس الأمن، أن بلاده “لا تسمح باستخدام أراضيها لتجنيد أو تدريب مقاتلين أجانب”، في تناقض صارخ مع الأدلة الميدانية التي تثبت العكس.
وتزداد السخرية تعقيداً عندما نتذكر تقرير موقع “Responsible Statecraft” في 2 يوليو/تموز 2026، الذي كشف أن الإدارة الأميركية كانت على علم بتورط الإمارات في تزويد قوات الدعم السريع بالسلاح، لكنها تتردد في اتخاذ إجراءات صارمة بسبب وعد إماراتي باستثمار 1.4 تريليون دولار في أمريكا.
وهكذا، بدا مؤتمر ويلتون بارك أشبه بمحاولة يائسة لشراء البراءة، بينما الأدلة المتراكمة تحول دون ذلك.
وفي مشهد ساخر آخر، لم يتطرق المؤتمر إلى تقارير حكومة السودان في مجلس الأمن (27 يونيو/حزيران 2026)، التي اتهمت الإمارات بتهريب 56 طناً من الذهب السوداني بقيمة 7 مليارات دولار، وتزويد الدعم السريع بطائرات انتحارية ومدفعية ثقيلة عبر مرتزقة كولومبيين. ويبقى السؤال: هل يمكن لمؤتمر في لندن أن يُزيح هذه الأدلة الثقيلة؟ أم أن الإمارات ستدفع ثمناً أكبر مما دفعته لتنظيم “أكروبوليس البراءة” هذا؟