المسلمي البشير الكباشي
هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها ماليزيا وعاصمتها كوالالمبور. هبطت بي الطائرة ليلاً في مطارها، ومنه أخذت طريقي إلى سايبرجايا، أحد أحياء المدينة ..حيث كان مقرراً أن أقيم.
على الرغم مما توحي به مشاهد المدينة من فخامة، استوقفتني عتمةٌ على جانبي الطريق. لعلني كنت أقيس المشهد بما ألفته في مدنٍ لا يهدأ ليلُها عن الإبهار، وتكاد أضواؤها تجعل الليل نهاراً. وحين سألت مرافقي عن سر هذا الانطباع، لم أجد لديه ما يشفي غليلي.
في نهار اليوم التالي، اصطحبني ابناى في جولة عبر المدينة، فانكشف لي ما كان الليلُ قد حجبه عن عيني. هنا تتسع مساحات الخضرة، بحدائقها وغاباتها، حتى لتبدو كأنَّها تزاحم المباني على الأرض. كأنَّ غابات الطبيعة تحاصر غابات الإسمنت، وتفرض حضورها على المدينة، فتكسوها حُلّةً خضراء.
عندها حضرتني قصيدةُ أحمد شوقي في زحلة، جارة الوادي:
“يا جارةَ الوادي طَرِبتُ، وعادني
ما يشبه الأحلامَ من ذكراكِ”
وفيها بيتٌ منح انطباعي الأول تفسيره:
“ودخلتُ في ليلين، فرعُكِ والدجى
ولثمتُ كالصبح المنوّر فاكِ”
للشعر قدرةٌ عجيبة على أن يتجاوز مناسباته الأولى، فيمنح تجاربنا اللاحقة لغةً نفهم بها ما استعصى علينا إدراكه. وقد وجدت في هذا البيت مفتاحاً لما حيّرني في ليلتي الأولى. كان ثمة ليل السماء، وليلٌ آخر تصنعه كثافة الأشجار وظلالها؛ فتبدو في العتمة امتداداً للظلام، بينما تنكشف في النهار غابةً من الحياة تطوّق المدينة وتمنحها ملامحها الخاصة.
هكذا انتقلت، في ساعات قليلة، من انطباع إلى نقيضه. فما حسبته نقصاً في الإضاءة كان وفرةً في الطبيعة. وما بدا لي عتمةً لم يكن إلا وجه الخضرة، أخفاه الليل وكشفه النهار.
فالمدن انطباعٌ قبل المعايشة، وقد لا تكون الصورة التي تستقر في النفس عند اللقاء الأول سوى نصف الحقيقة؛ أما النصف الآخر، فلا تكشفه إلا المعايشة والتجوال، حين تُمنح العين فرصةً لترى ما حجبه الظلام.
وفي وضح النهار، بدت لي كوالالمبور كأنَّها تعيد المدينة الحديثة إلى فطرة الطبيعة وبكارتها. صحيح أنك إذا توغلت في قلبها أحاطت بك الأبراج الشاهقة، وفي مقدمتها برجا بتروناس التوأمان، اللذان يجسّدان طموحاً اقتصادياً ، وجرأةً معمارية. غير أن هذه الكتل العمرانية، على ضخامتها وارتفاعها، لا تستولي على المشهد كله؛ إذ تظل الغابات والحدائق والبحيرات الاصطناعية حاضرةً في نسيج المدينة، تمنحها فسحةً للتنفس.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الأبراج تتنافس في الارتفاع نحو السماء، بينما تمتد الغابات أفقياً، فتملأ ما يتسع لها من الأرض. كأنَّ المدينة عقدت تسويةً مع الطبيعة..تأخذ العمارة نصيبها من السماء، وتحتفظ الخضرة بنصيبها من الأرض.
وهنا لا تبدو الأشجار زينةً أُضيفت إلى البناء بعد اكتماله، بل جزءاً أصيلاً من تكوين المكان وروحه. إنَّها صورة تستحق التأمل؛ فالإنسان يبني ويرتفع، والطبيعة، بدورها، تنتزع لنفسها مكاناً في هذا العالم الذي يعيد الإنسان تشكيله على هواه. الأبراج أكثر بهاءً حين تتوسط الخضرة، والخضرة أكثر حضوراً حين تتخلل العمران. وبينهما يتحقق شيء من التوازن الذي تفتقده مدنٌ يستبد بها الإسمنت والزجاج، حتى تكاد الطبيعة فيها تصبح ذكرى.
وقد أعان على هذا الحضور ما وهبه الله لهذه البلاد من مناخ استوائي مطير، تتعاقب فيه الأمطار على مدار العام، فتظل الخضرة جزءاً من تفاصيل الحياة، لا ضيفاً عابراً على المدينة. ومع الزمن، لم تعد الطبيعة مجرد إطارٍ للمشهد العمراني، بل غدت إحدى سمات المدينة التي تمنحها روحها وهويتها .
وللطبيعة في المدن وظيفةٌ تتجاوز جمال المنظر؛ فهي تمنح المكان ظلاله، وتلطّف أجواءه، وتكسر رتابة الإسمنت، وتخفف من وطأة الكتل العمرانية على العين والنفس. ولعل الإنسان، مثلي، ممن نشأ في البوادي، يظل، مهما تعرّف على منجزات الحداثة وأُعجب بها، تواقاً إلى تلك الصلة القديمة بالأشجار والماء والسماء؛ صلةٍ لا تحتاج إلى تفسير، لأن أثرها في النفس يسبق الوعي بها.
هكذا تعلّمت من كوالالمبور درساً في النظر إلى المدن، وربما إلى الأشياء عموماً. ليس كل ما يبدو خافتاً فقيراً في الضوء، ولا كل ما يسطع أكثر جمالاً. ثمة أماكن لا تكشف عن فتنتها بكثرة ما تضيء، بل بما تتركه للظلال، وبما تحفظه للطبيعة من حضور. وثمة مدن لا تحتاج إلى أن تطرد الليل كي تثبت حداثتها، ولا إلى أن تقتلع أشجارها كي تفسح الطريق للأبراج.
ولعل سر المدن الجميلة أنها لا تمنحك نفسها دفعةً واحدة؛ تترك لك شيئاً تكتشفه، ووجهاً آخر تنتظره، ومعنى لا يظهر إلا حين تعود إليها بعين مختلفة.
في الليلة الأولى، رأيت مدينةً تتوارى في العتمة؛ وفي النهار التالي، رأيت العتمة نفسها وقد استحالت خضرةً وظلالاً وجمالاً.
ودخلتُ في ليلين: فرعُكِ والدجى..
ولثمتُ كالصبح المنوّر فاكِ.