رأي

قصة المحول القومي الجديد: بين التحول الرقمي وأسئلة الشفافية

نعمان يوسف محمد

ليس من المبالغة القول إن مستقبل الاقتصاد السوداني سيُبنى، إلى حدٍ كبير، على جودة البنية التحتية الرقمية للقطاع المالي. فالعالم لم يعد يقيس قوة الأنظمة المصرفية بعدد الفروع أو حجم المباني، وإنما بقدرتها على إدارة المدفوعات بكفاءة، وتأمين البيانات، وربط المؤسسات المالية في منظومة واحدة تعمل على مدار الساعة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع لإنشاء أو تشغيل المحول القومي للمعاملات المالية يمثل خطوة استراتيجية في الاتجاه الصحيح. فالتحول الرقمي لم يعد ترفاً تقنياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية، وركيزة أساسية لإعادة بناء الدول التي مرت بأزمات وصراعات، كما هو حال السودان اليوم.

غير أن التجارب الدولية تعلمنا حقيقة مهمة، وهي أن نجاح مثل هذه المشروعات لا يتحقق بالتقنية وحدها، وإنما يقوم على ثلاثة أعمدة متكاملة: الكفاءة الفنية، الحوكمة المؤسسية والشفافية العامة.

وكانت الأيام الماضية قد شهدت نقاشاً واسعاً حول الجهة التي أُسند إليها تشغيل المحول القومي. وبغض النظر عن مواقف المؤيدين والمعارضين، فإن هذا الجدل يجب ألا يُقرأ بوصفه خلافاً حول شركة بعينها، وإنما باعتباره فرصة لإرساء تقاليد مؤسسية جديدة في إدارة المشروعات السيادية.

وفي سياق هذا النقاش، أصدر بنك السودان المركزي بياناً أوضح فيه أن الترخيص يأتي في إطار تنظيم سوق المدفوعات الإلكترونية، وأنه يندرج ضمن اختصاصاته الرقابية والتنظيمية، مؤكداً التزامه بتطبيق الأطر الرقابية والمعايير المنظمة لأنظمة الدفع. كما أوضحت الجهة المرخص لها أن الرخصة ليست امتيازاً حصرياً، وأن المجال متاح أمام أي شركة تستوفي الاشتراطات التي يحددها البنك المركزي. وتمثل هذه التوضيحات خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز الفهم العام لطبيعة المشروع، وإن كانت تفتح المجال أيضاً لمزيد من الإفصاح حول الجوانب الفنية والإجرائية التي تشكل أساس الثقة المؤسسية.

فالجهة المشغلة ليست هي القضية، وإنما القضية هي كيف تم الاختيار؟ وما المعايير التي استند إليها القرار؟ وما الضمانات التي تكفل سلامة النظام واستدامته؟

هذه ليست أسئلة تشكيك، وإنما أسئلة حوكمة.

فالبيانات التوضيحية الأخيرة أسهمت في توضيح بعض المبادئ العامة، إلا أن بناء الثقة المؤسسية يتطلب الانتقال من تأكيد المبادئ إلى نشر الأطر والمعايير والإجراءات التي استندت إليها عملية الترخيص والتقييم، بما يطمئن المجتمع المصرفي والمستثمرين والرأي العام إلى سلامة الإجراءات وعدالتها.

في الدول التي سبقتنا في بناء البنية التحتية للمدفوعات، لم يكن النجاح نتيجة امتلاك أفضل البرمجيات فحسب، بل كان ثمرة منظومة متكاملة من الإفصاح والمساءلة والرقابة.

فعندما أطلقت الهند “منصة UPI”، وهي اليوم واحدة من أنجح أنظمة المدفوعات الفورية في العالم، لم يكن سر نجاحها في التكنولوجيا وحدها، بل في وضوح الإطار المؤسسي، وتحديد الأدوار، وخضوع النظام لرقابة الجهة المنظمة، مع وجود قواعد معلنة لإنضمام المشاركين وتقييم أدائهم.

وفي البرازيل، أحدث “نظام Pix” تحولاً جذرياً في المدفوعات الرقمية خلال سنوات قليلة، ليس لأنه الأكثر تعقيداً تقنياً، وإنما لأن البنك المركزي البرازيلي قاد المشروع وفق إطار تنظيمي واضح، ونشر السياسات والمعايير، وأدار التنفيذ بطريقة عززت ثقة القطاع المالي والجمهور.

أما في سنغافورة، فقد اعتمد نجاح البنية الوطنية للمدفوعات على وضوح المسؤوليات، والاستثمار في الأمن السيبراني، والاختبارات المستمرة، والإفصاح عن الأطر التنظيمية، وهو ما جعل الثقة في النظام جزءاً من نجاحه.

وفي القارة الأفريقية، تقدم نيجيريا مثالاً مهماً. فقد واجهت مشروعات التحول الرقمي تحديات تقنية وتشغيلية، إلا أن النقاش العام ظل يتركز على تحسين الحوكمة، وتطوير المعايير، وتعزيز الرقابة، لا على الأشخاص أو الشركات.

هذه التجارب تؤكد أن الثقة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بالمؤسسات.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل الجميع ليس عمر الجهة المشغلة، ولا تاريخ تأسيسها، ولا حجمها، فهذه أمور قد تكون ذات أهمية نسبية، لكنها ليست الفيصل.

الفيصل هو الإجابة عن أسئلة أكثر جوهرية:
– ما المعايير الفنية التي تم اعتمادها للتأهيل؟

– هل خضع النظام لاختبارات مستقلة للأداء والأمن السيبراني؟

– ما آليات استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث؟

– كيف ستتم حماية بيانات العملاء؟

– ما الضمانات التي تمنع تضارب المصالح؟

– كيف ستتم مراقبة الأداء ومراجعته دوريًا؟

– وما الإجراءات المتاحة إذا أخفق المشغل في الوفاء بالتزاماته؟

كل هذه الأسئلة ينبغي أن تكون جزءاً من أي مشروع وطني بهذا الحجم، بصرف النظر عن هوية الجهة المنفذة.

كما أن من حق الرأي العام، ومن حق المجتمع المصرفي، ومن حق المستثمرين، أن يطلعوا على الحد الأدنى من المعلومات المتعلقة بالمشروع، ليس بدافع الفضول، وإنما لأن الثقة في القطاع المالي تُعد مصلحة عامة.

ولعل أهم ما يمكن أن تكسبه الجهات المنظمة اليوم هو البناء على ما صدر من توضيحات، واستكماله بمزيد من الإفصاح المؤسسي. فكل وثيقة تُنشر، وكل معيار يُعلن، وكل إطار تنظيمي يُوضح، وكل آلية رقابية يتم شرحها للرأي العام، تسهم في تعزيز الثقة، وتقلل مساحة الإشاعات والتأويلات، وتؤكد أن نجاح المشروع يقوم على الحوكمة بقدر ما يقوم على التقنية.

لقد دفعت الحرب السودان إلى إعادة التفكير في كثير من مؤسساته، وربما تكون هذه فرصة لبناء نموذج جديد في إدارة المشروعات الوطنية، نموذج يقوم على الإفصاح بدلاً من الغموض، وعلى التواصل بدلاً من الصمت، وعلى الحوكمة بدلاً من الاجتهادات الفردية.

إن التحول الرقمي ليس مجرد انتقال من الورق إلى الشاشات، بل هو انتقال من ثقافة إدارية إلى ثقافة مؤسسية. وإذا نجح السودان في ترسيخ هذا المفهوم، فلن يكون قد أنشأ محولاً قومياً للمدفوعات فحسب، بل سيكون قد وضع حجر الأساس لاقتصاد أكثر كفاءة، وأكثر شفافية، وأكثر قدرة على استعادة ثقة المواطنين والمستثمرين.

وفي نهاية المطاف، لن يتذكر التاريخ اسم الجهة التي أدارت المرحلة الأولى بقدر ما سيتذكر ما إذا كانت هذه المرحلة قد أرست مؤسسات قوية وقواعد عادلة وممارسات شفافة. فالمؤسسات تبقى، أما الأشخاص والشركات فيتغيرون، بينما تظل الثقة هي الأصل الذي يُبنى عليه كل نجاح اقتصادي مستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى