عودة المَقاصّة: أمل جديد وبرَاح للتجّار

في صباحٍ هادئ بسوق ود مدني، جلس التاجر عبد الرحمن أمام محلّه الصغير يراقب شاشة هاتفه، ينتظر إشعار تحويل بنكي غاب لأشهر طويلة. حين ظهرت الرسالة: «تمّ تنفيذ العملية بنجاح»، ابتسم قائلاً لجاره: «رجعت المَقاصّة أخيراً!».

هكذا استقبل تجّار ومزارعون بولاية الجزيرة قرار بنك السودان المركزي بإعادة تشغيل نظام المَقاصّة الإلكترونية بين البنوك، بعد توقّف دام منذ اندلاع الحرب؛ الخطوة، التي وُصفت بأنها صغيرة في ظاهرها، تحمل أملاً كبيراً في إنعاش الدورة المالية، وتخفيف المعاناة التي عاشها التجّار وهم يتنقّلون بالأموال نقداً بين المدن والولايات، في ظلّ نظام مصرفيّ مشلول ومخاطر أمنية متزايدة.

كشف التجّار عن صنوفٍ من التعقيدات واجهوها بعد توقّف خدمة المَقاصّة الإلكترونية التي كانت تُسهل التبادلات المالية بين البنوك دون سقوف مالية محدّدة.

في ولاية النيل الأزرق، ذكر مسؤول بالبنك الزراعي السوداني لمراسل «أتَـر» أنهم كانوا في حاجة إلى شراء «إطارات سيارات» للبنك، فعقدوا اتفاقاً مع تاجر بمدينة ود مدني، غير أنه لم يكن يملك حساباً في البنك الزراعي، ما اضطرّهم لكتابة مذكرة إلى رئاسة البنك في بورتسودان، ليجري توجيههم بتحويل المبلغ في حساب أحد موظفي البنك في الجزيرة، والذي حوّل المبالغ بدوره إلى حساب التاجر عبر تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم.

وقال أحد التجّار بالسوق الشعبي في ود مدني، إنه كان يضطرّ لحمل مبالغ مالية كبيرة في سيارته حين يسافر إلى بورتسودان لشراء بضائع لمتجره، موضحاً أنه كان يأخذ إذناً من رئاسة الاستخبارات التابعة للجيش في كل رحلة، بما يُعرف بـ«تصريح حمل أموال». وأشار إلى أنه كان يستأجر حسابات مصرفية لتسيير تجارته وتحويل الأموال بين الولايات، خاصة مع زبائنه في سنار والقضارف. وقال: «بعد توقّف نظام المَقاصّة الإلكترونية، انكمشت تجارتي وتوقّفتُ عن إرسال بضائع لولايتَي سنار والقضارف، لأنّ وصول الأموال إليّ كان مشكلة كبيرة».

أشارت قيادة البنك المركزي إلى أنّ تدشين نظام المَقاصّة الإلكتروني يُعدّ مؤشراً على تعافي الجهاز المصرفي، ويسهم في تحسين الخدمات وتعزيز الثقة في النظام المالي. فهذه الخطوة تبعث برسالة طمأنة بأنّ القطاع المصرفي ماضٍ في طريق التعافي، ما قد يشجّع المُوْدعين على إعادة أموالهم إلى البنوك ويحفّز الشركات على معاودة استخدام أدوات الدفع المصرفية بدل الاكتفاء بالنقد.

ورغم أنّ استعادة الثقة الكاملة ستستغرق وقتاً، نظراً إلى محدودية نطاق العودة حالياً، فإنّ مجرد تنفيذ هذه الخطوة يُعدّ تقدّماً مهماً، فكلما أثبتت عملية التقاصّ استقرارها دون مشكلات، ازداد اطمئنان العملاء للاعتماد على البنوك في إدارة أموالهم بدلاً من اكتنازها خارج النظام المصرفي.

في أكتوبر الماضي، اضطرّ سامي سيد أحمد الظاهر، المُزارع بمشروع الجزيرة، إلى تحويل أمواله المودعة ببنك الخرطوم إلى كاش، لتسديد مديونية عليه لدى البنك الزراعي السوداني حتى يضمن التمويل للموسم الشتوي. وقال لمراسل «أتَـر» إنه حاول التسديد عبر تطبيق «بنكك»، لكنّ إدارة البنك رفضت الإجراء وطلبت منه توريد المبلغ نقداً، ما اضطرّه لاستبداله بكاش عبر وسيط، بربح 10%. وأضاف: «ذهبتُ إلى تاجر كاش، تسلّم مني تحويلاً بنكياً وأعطاني مقابله نقداً».

جاء الاستئناف الجزئي لعمليات المَقاصّة ضمن مقاربة تدريجية اعتمدها البنك المركزي لضبط الإيقاع وتقليل المخاطر التشغيلية، بما يتيح اختبار كفاءة النظام ومعالجة أي اختلالات قبل الانتقال إلى نطاق أوسع. وقد عكست الضوابط المصاحبة لهذه الخطوة توجّهاً واضحاً نحو الحيطة والانضباط.

في هذا الإطار، حُدِّدت جلسات المَقاصّة بيومين أسبوعياً فقط، الأحد والأربعاء، بدلاً من الانعقاد اليومي، الأمر الذي يوفّر مساحة للمراقبة الدقيقة وتقييم الأداء على مراحل. كما جرى قصر التعامل على الجنيه السوداني في قبول الشيكات خلال هذه المرحلة، بما يسهم في تبسيط العمليات وتقليص التحديات المرتبطة بتقلّبات أسعار الصرف.

وشملت الضوابط أيضاً حصر التقاصّ على الشيكات ذات الطبعة الجديدة المزوّدة برمز الاستجابة السريع (QR)، في خطوة تُعزّز عوامل الأمان وتحدّ من المخاطر المرتبطة بالشيكات المتداولة خلال فترة الحرب. وإلى جانب ذلك، أُلزمت المصارف بتعزيز احتياطياتها ضمن صندوق السيولة المشترك، بما يرفع موثوقية التسويات، مع إتاحة خيار بيع النقد الأجنبي للبنك المركزي لتوفير سيولة كافية بالجنيه السوداني عند الحاجة.

تعكس هذه الحزمة من الإجراءات توجّهاً تنظيمياً يستهدف إعادة تشغيل المَقاصّة ضمن بيئة منضبطة، توازن بين استعادة النشاط المصرفي والحفاظ على الاستقرار النقدي.

في يناير 2023، باعت الموظفة بوزارة المالية بولاية الجزيرة، سلافة البصيري، سيارةً لأحد الأشخاص ومنحها شيكاً مصرفياً لصرف المبلغ في مايو من العام نفسه، غير أنّ توقّف المَقاصّة حال دون صرف المبلغ. قالت لمراسل «أتَـر»: «فرحتُ جداً لعودة العمل بنظام المَقاصّة، لكنّ قرار بنك السودان بعدم اعتماد الشيكات القديمة وغير المرمّزة أحبط فرحتي. أنتظر خطوة جديدة لاعتماد الشيكات القديمة، خاصة وأنّ الشخص الذي حرّر لي الشيك خارج السودان حالياً».

وقال الخبير الاقتصادي الفاروق إبراهيم لمراسل «أتَـر» إنّ عودة العمل بنظام المَقاصّة تُعد من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية بعد شهور من التوقّف بسبب الحرب، معتبراً أنّ الخطوة ستشكّل دفعة للحركة التجارية، وسينتفع منها أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسّطة، لأنها ستقلّل من تكلفة التحويلات وتسهل حركة الأموال دون انتظار أو رسوم عالية.

واعتبر رجوع المَقاصّة الإلكترونية بمثابة إعلان بخروج الاقتصاد السوداني من مرحلة الانكماش والسلبية إلى مسار تعافٍ منظّم وواضح المعالم.

في المقابل، تساءل خبير اقتصادي، فضّل حجب اسمه، عن مصير دفاتر الشيكات المنهوبة، منوّهاً إلى أنّ القرار لم يأخذ في اعتباره الموقف المالي للبنوك وإمكان تنفيذ التسويات دون إشكالات، محذّراً من مغبّة تحوّل المَقاصّة إلى أداة لانتقال أموال المُودعين إلى بنوك معينة. غير أنّ البنك المركزي أوضح أنّ التعامل سيكون بالشيكات الجديدة المؤمّنة فقط، لتفادي أي احتيال أو ازدواجية.

وقال معاوية النعمان، الموظف بأحد البنوك في ولاية الجزيرة، إنه كان يعاني من استخدام خدمة الشيكات للدفع، وكشف أنّ ابنته تملك حساباً في بنك آخر، ما يضطرّه لاستخدام وسائط وتحويلات غير مباشرة، مثل الاستبدال بكاش أو التحويل على دفعات، وقال: «كل هذا كان سيكون يسيراً لو أن نظام المَقاصّة يعمل على نحو طبيعي».

يمثّل الاستئناف الجزئي لعمليات المَقاصّة محطةً مهمةً في مسار تعافي القطاع المالي السوداني بعد الحرب، إذ يعكس تحرّكاً محسوباً باتجاه إعادة انتظام العمل المصرفي وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للتعاملات المالية. وتبرز أهمية هذه الخطوة في ما تحمله من دلالات على عودة التنسيق بين المصارف وتعزيز الثقة التدريجية في البنية المالية، بما يفتح المجال أمام توسيع نطاق الإصلاحات مع تحسّن الأوضاع الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، وهو مسار يتقاطع مع توجّهات البنك المركزي السوداني في استعادة دوره التنظيميّ ودعم الاستقرار النقدي.

وتظلّ القيمة الحقيقية لهذه الخطوة مرهونةً بانعكاسها المباشر على أوضاع التجار، من خلال تسهيل عمليات السداد والتحصيل، وتقليص الاعتماد على النقد، وتحسين انسياب المعاملات بين الأسواق والمصارف، كما يُنتظر أن تسهم المَقاصّة في تخفيف الضغوط التشغيلية على النشاط التجاري وتعزيز القدرة على إدارة السيولة، بما يدعم حركة التبادل التجاري ويدفع نحو تنشيط الدورة الاقتصادية على نحو أكثر انتظاماً.

ختاماً، لا تمثّل عودة المَقاصّة الإلكترونية محض استئناف لعمليات مصرفية، إنما استعادة لشريانٍ من شرايين الحياة الاقتصادية في السودان. وبينما لا تزال الخطوة جزئية ومحدودة، إلا أنّ تأثيرها النفسيّ والمعنوي بدا واضحاً في الأسواق، إذ تنفَّس التجّار والمزارعون الصعداء بعد شهور من الجمود.

Exit mobile version