رأي

عطاءات البترول.. حقيقة أم غطاء لفساد جديد؟

فيما أرى
عادل الباز
مقدمة
بعد كتابة هذا المقال أصدر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بعد ظهر اليوم الجمعة برئاسة رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية بُغية ضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.
هذا القرار.. أبصم عليه بالعشرة وكنت قد طالبت بذلك في أكثر من مقال، ولكن هناك عدم وضوح ودغمسة. هناك تساؤلات ينبغي أن نحصل لها على إجابة عليها أولاً لنرى هل هذا القرار يخدم مصلحة البلد أم هو التفاف جديد لا نعرف إلى أين يقودنا… مثلاً:
حين نقول إن الحكومة هي التي تستورد.. ماذا نعني بذلك؟ هل ستحيل الحكومة الأمر إلى شركاتها المفلسة التي هي نفسها تمارس السمسرة علناً وتبيع التصاديق لمافيا البترول؟ هنا نكون لا رحنا ولا جينا!!
هل ستنفذ الحكومة والجهات المختصة قرار مجلس الوزراء عبر “الشركات المؤهلة” أم عبر شركات دولية تتعاقد معها وتتولى هي دفع قيمة المواد البترولية؟
أم ستمضي وزارة الطاقة في قرارها بالأمس بطرح استيراد المواد البترولية في عطاء دولي؟ السؤال.. ما هي الآليات التي ستعمل بها الدولة؟ حين تتضح الإجابات على هذه الأسئلة نحدد موقفنا النهائي من القرار. إلى المقال:
1.
أصدرت وزارة الطاقة، أول أمس (9/6/2026)، ضوابط جديدة لضمان انسياب المواد البترولية. وهدفت هذه الضوابط إلى مزيد من الشفافية عبر طرح عطاءات دولية للاستيراد، كما ورد في البيان. وقد طرح هذا البيان تساؤلات كثيرة، منها: “سيتم تنفيذ هذه الضوابط مع الشركات المؤهلة في القطاعين العام والخاص”.
ما دخل الشركات في القطاعين العام والخاص في الضوابط التي يفترض أن تضعها الحكومة وحدها (أي وزارة الطاقة)؟ ما أفهمه أن الحكومة تعلن عن عطاء لاستيراد مواد بترولية، وتتنافس الشركات العالمية أو المحلية المقتدرة مالياً وفنياً، ومن تتقدم بأسعار أقل وضمانات أقوى هي من تفوز بالعطاء. فما موضع “الشركات المؤهلة” التي سيجري تنفيذ الضوابط معها؟ ما وقعها من الإعراب هنا.. أمر عجيب!! حاولت الاتصال مراراً بالسيد الوزير ولم أوفَّق، وسأعاود الاتصال. بالمناسبة، ليس من عادته عدم الرد، بل يكاد يكون الوزير الوحيد الذي يرد على اتصالات الصحفيين. خالص الشكر…
2.
إن الحديث المتكرر عما يُسمى بـ”الشركات المؤهلة” ليس في حقيقته إلا محاولة لإعادة تدوير صريح لنظام المجموعات سيئ السمعة الذي أثبت فشله الذريع. والحل الوحيد هو إلغاء نظام المجموعات ذاك؛ فأغلبها شركات لسماسرة يبيعون التصديقات علنًا، والمؤسف أن الشركات الحكومية نفسها هي من تبيع تلك التصديقات.
المجموعات التي تضم 39 شركة هي عبارة عن سوق للمتاجرة والسمسرة في البترول؛ شركات تستلم التصديقات من وزارة الطاقة وتبيعها علنًا وتقبض ملايين الدولارات. إن هذا النهج يثير ريبة مشروعة حول جدية الحكومة في إصلاح هذا القطاع، فإذا كان ما يسمى “نظام المجموعات” سيستمر، فلا أرى أي طائل من طرح عطاءات عالمية؛ إذ ستتحول هذه العطاءات إلى مجرد واجهة صورية لشركات تفتقر للكفاءة المالية والفنية.
الواقع أنه لا توجد حاليًا شركات حكومية حقيقية تملك الموارد الذاتية أو الملاءة المالية لاستيراد الوقود بشكل مستقل، بل إن وضعها المالي البائس يجعلها مجرد “غطاء” قانوني تمر من خلاله صفقات “المافيا” مقابل عمولات هامشية تذهب لجيوب المنتفعين، بينما يتحمل المواطن الفاتورة النهائية.
إننا بحاجة إلى آلية استيراد مباشرة تقطع الطريق على السماسرة الذين أدمنوا العمل في العتمة. إن استمرار هذا التداخل المريب بين مصالح الشركات الخاصة والعامة والوظيفة العامة للدولة يجعل من “طرح العطاءات الدولية” مجرد مسرحية هزلية لا تغير من الواقع شيئًا.
3.
الحقيقة أن كل هذا “اللف والدوران” لا طائل منه، وكل تلك السياسات تم تجريبها سابقًا ولم تثمر شيئًا، وظللنا لسنوات ندور في حلقة مفرغة بين شركات خاصة تحصل على أرباح بالملايين، وحكومة عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها مع الشركات الموردة للبترول.
المخرج هو أن تتحمل وزارة الطاقة مسؤوليتها المباشرة في التعاقد مع شركات دولية كبرى لضمان انسياب الوقود بأسعار حقيقية تعكس التكلفة الفعلية، لا أطماع السماسرة. وإذا تم ذلك الآن عبر العطاءات، فيجب ألا يتم الالتفاف عليها والعودة مرة أخرى لنفس الممارسات باسم “نظام المجموعات”.
الشركات الكبرى تمنح الحكومة الوقت المناسب لتدبير الموارد المالية والعملة الصعبة، أما الشركات المحلية الخاصة والعامة المفلسة، فإنها تستورد البترول وتهجم على السوق الموازي لتشتري الدولار فيصعد بصورة جنونية كما هو حادث الآن. تصوروا الآن، يوم السبت 13/6/2026، هناك 11 باخرة تربط في الميناء، وكلهم سيهجمون على سوق الدولار.. فيا ترى كم سيصل سعره؟!! لماذا 11 باخرة تملك تصاديق وحاجة البلاد 3 بواخر فقط في الشهر؟!! إنها السمسرة بسبب نظام المجموعات الذي تصر عليه المافيا. وتُقدر التكلفة اليومية لرسوم الأرضية (Demurrage) لهذه البواخر بعشرات الآلاف من الدولارات، وهو ما يمثل هدراً كبيراً للموارد وكل ذلك يضاف لأسعار الوقود التي يحتملها المواطن والقطاعات الإنتاجية كافة، كل ذلك يذهب لأباطرة الوقود ويحصد المواطن الرماد.
4.
هناك حل آخر طالما نادينا به، وهو نهج مجرب أدى لنتائج رائعة؛ هو إنجاز التعاقد مع شركة أرامكو. ما يحيرني أن موضوع التعاقد مع أرامكو يكاد يكون جاهزًا؛ فقد بدأت القصة بطلب من الرئيس البرهان للأمير محمد بن سلمان بتوجيه أرامكو للتعاقد مع السودان لتزويده بالمنتجات البترولية، وبالفعل أخطر الأمير وزير النفط الامير عبد العزيز بن سلمان بالأمر، ووصل التوجيه إلى الشركة. ولم يتبقَ سوى اتصال من الحكومة السودانية بشركة أرامكو، لكن لثلاثة أشهر تعجز الحكومة وسفاراتها في الرياض عن الوصول لمقر الشركة، وكان الواجب الاعتصام أمام بوابتها لأن هذا هو المخرج الأفضل للأزمة الحالية.
جدول مقارنة: نظام المجموعات مقابل التعاقد المباشر مع أرامكو

وجه المقارنة نظام المجموعات (الوضع الحالي) التعاقد المباشر مع أرامكو (المقترح)
آلية التمويل ضغط فوري على الدولار في السوق الموازي تسهيلات سداد مؤجلة (180 يومًا)
التكلفة مرتفعة بسبب عمولات السماسرة والوسطاء سعر تفضيلي مباشر من المنتج
استقرار الإمداد متذبذب ويعتمد على “بواخر الانتظار” مستقر ومبرمج حسب الحاجة الفعلية
الشفافية غامض ويفتقر للرقابة الفعالة تعاقد “دولة لدولة” (G2G) يقلل الفساد

فوائد التعاقد مع أرامكو:
• تخفيف الضغط المالي: توفير تسهيلات سداد مؤجل لمدة 180 يوماً على الأقل تماماً مثل ما جرى مع كينيا، مما يقلل الضغط اليومي على توفير النقد الأجنبي ويساعد في تثبيت سعر الصرف.
• استقرار الإمداد: الانتقال من “اقتصاد الصفقات العشوائية” إلى نظام إمداد مستقر ومبرمج حسب الاحتياج الفعلي، مما يلغي تكاليف ورسوم “بواخر الانتظار” الباهظة.
• مزايا لوجستية وتنافسية: الاستفادة من القرب الجغرافي لتقليل زمن وتكلفة النقل، وضمان تدفق الوقود بأسعار ثابتة ومضمونة طوال العام بعيداً عن تقلبات السوق.
• بناء بنية تحتية: فتح الباب لإنشاء مستودعات تخزين استراتيجية، مما يعزز أمن الطاقة.
5.
أخيرًا، بعد أن تولى الفريق إبراهيم جابر الملف، أرجو أن يتجه مباشرة لإحداث نقلة نوعية في الملف بطلب اجتماع عاجل مع شركة أرامكو باسم الحكومة السودانية، خاصة مع وجود الضوء الأخضر السعودي. لقد فعلتها كينيا من قبل وأنهت المشكلة، وكذلك أوغندا مع شركة فيتول، بينما هنا في هذه البلاد المنكوبة تظل الكلمة العليا للسماسرة الذين يملكون “فيتو” على كل قرار حكومي. إن لم يفكر الفريق جابر خارج الصندوق، فلن تجدي “محفظة” ولا يحزنون.
هل ستنتصر إرادة الإصلاح والضوء الأخضر السعودي، أم ستظل “فيتو” المافيا هي التي ترسم سياسة الطاقة في السودان؟ المواطن لم يعد يملك رفاهية الانتظار وللصبر حدود.
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى