الصادق البديري
كشفت التغطية الإعلامية الغربية، في مفارقة صارخة أشبه بمشهد كوميدي أسود، أن قيمة الإنسان تتحدد بناءً على خط الطول والعرض الذي يقبع فيه جثمانه، فطعنة بسكين في بلفاست -رغم بشاعتها- تستحق عناوين كبرى واحتجاجات شعبية وإجراءات أمنية مشددة، بينما إبادة جماعية في دارفور لا تستحق سوى سطر عابر في الصفحات الأخيرة.
عرضت صحيفة “واشنطن بوست” تفاصيل حادثة الطعن في بلفاست كما لو كانت إعلان حرب عالمية ثالثة، حيث أظهرت التحقيقات أن “الضحية” -الذي أُصيب بجروح خطيرة- قد يستيقظ من غيبوبته خلال 48 ساعة.
وفي المقابل، استيقظ ضحايا مجازر الفاشر والخرطوم والجزيرة وكردفان أصوات الطائرات المسيرة والجنجويد، قبل أن يُحشروا في قبور جماعية لا يعرف أحد مواقعها ولا عددها، ولن يستيقظوا أبداً -لا بعد 48 ساعة ولا بعد 48 عاماً.
وأظهرت لقطات بثتها “بي بي سي” مشاهد متظاهرين ملثمين في بلفاست يهتفون “أوقفوا الهجرة” ويحرقون منازل المهاجرين، في تناظر مأساوي مع مشاهد لم تُبث للمتظاهرين في الفاشر الذين هتفوا “أوقفوا الإبادة” قبل أن يذبحوا على يد قوات الدعم السريع.
وتزعم تقارير -لم تثبت صحتها حتى الآن- أن الجاني في حادثة بلفاست، هادي عيديد (30 عاماً سوداني الجنسية)، ودخل بريطانيا كلاجئ ولم تثبت أي جهة أمنية تورطه في الإرهاب أو أي نشاط عدائي سابق، ألا يذكركم اسم عيديد هذا بشيء؟
وفي المقابل، وثّقت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن “الجناة” في مجازر دارفور -من قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة- خضعوا لدورات تدريبية ممنهجة على القتل والاغتصاب والتعذيب، وكانوا يهتفون خلال إعداماتهم الميدانية: “هل يوجد أي سود بينكم؟ سنقتلهم جميعاً”.
وكما خصصت الصحف الغربية مساحات طويلة لتحليل مسار عيديد -من الخرطوم إلى باريس ثم دبلن ثم بلفاست- لم تخصص الصحف نفسها مساحة مماثلة لتحليل مسار الإبادة الجماعية -من الفاشر إلى الجنينة إلى كادقلي إلى الخرطوم- حيث قُتل مئات الآلاف وشُرّد الملايين.
إنّ استحضار الحوادث التاريخية المشابهة يكشف مفارقة أكثر إيلاماً، فقبل 30 عاماً، وثّقت الكاميرات الغربية مذبحة سربرنيتشا حيث قُتل 8,000 رجل وفتى بوسني مسلم، مما أثار موجة غضب عالمية كافية لإرسال قوات حفظ سلام وإقامة محاكم دولية.
أما اليوم، فكاميرات الغرب التي التقطت أدق تفاصيل بقع الدماء على رصيف بلفاست، تظاهرت أنها لا ترى بقع الدماء التي ظهرت في صور الأقمار الصناعية لدارفور -بقعاً مرئية من الفضاء- والتي أكدت مقتل الآلاف في مقابر جماعية، لكن هذه البقع تقع في “إفريقيا العميقة” حيث تختلف جغرافية الألم.
وبالمثل، عندما اغتصب جنود الجيش الأمريكي المعتقلين في سجن “أبو غريب” عام 2004 ونشروا صورهم عراة في كومة بشرية، هزت الفضيحة العالم وأُقيل وزير الدفاع وأُدين الجنود.
أما في السودان، فقوات الدعم السريع تبث مقاطع فيديو توثّق اغتصابها لنساء السودان على وسائل التواصل الاجتماعي، وتتفاخر بقتلها للأطفال أمام أمهاتهم، ولا يتظاهر أحد في شوارع لندن، ولا يستقيل وزير، ولا تُدان قوات.
ولطالما تعالت أصوات السياسيين الغربيين في قاعات الأمم المتحدة يرددون شعار “مسؤولية الحماية” في ليبيا وسوريا والبوسنة وكوسوفو.
غير أن “مسؤولية الحماية” هذه يبدو أنها تنتهي فوراً بمجرد عبور الطائرة فوق البحر المتوسط، فبينما خصصت الحكومة البريطانية 3.7 مليار جنيه إسترليني لتعزيز إجراءات مراقبة الهجرة بعد حادثة طعنة واحدة في بلفاست، لم تخصص الحكومة نفسها سوى 100 مليون جنيه كمساعدات إنسانية للسودان -بلد بحجم أوروبا الغربية يعاني أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
وفي واحدة من أطرف المفارقات وأكثرها سواداً، صرّحت وزيرة الخارجية البريطانية بأن الأزمة في السودان “مهملة للغاية” -وكأن الإهمال ليس قراراً سياسياً متعمداً بل كارثة طبيعية!
ولو أجرينا اختباراً افتراضياً بسيطاً: خذ شاباً أبيض من بلفاست طعنه مهاجر سوداني، وشاباً أسود من الفاشر ذُبح على يد قوات الدعم السريع، وألقِ قصتيهما على أي صحيفة غربية كبرى.
ستكون النتيجة: القصة الأولى تتصدر العناوين لمدة أسبوعين، وتُفتتح جلسة برلمانية، وتُعقد اجتماعات أمنية طارئة، ويُصدر رئيس الوزراء بياناً رسمياً، وتُعلن إجراءات جديدة للحد من الهجرة.
أما القصة الثانية: فستُدرج تحت خانة “أخبار متنوعة” في الصفحة 27، بجانب إعلان عن بيع قطط أليفة.
وتزداد كوميديا الإعلام الغربي جنونا، حيث كان الجدل الأكبر في البرلمان البريطاني يتمحور حول “كيف وصل عيديد إلى بريطانيا؟” و”لماذا منح حق اللجوء؟” بينما لم يُطرح أي سؤال برلماني واحد عن “لماذا يُسمح لقوات الدعم السريع بارتكاب الإبادة الجماعية دون رادع؟”
منذ أكثر من قرن، كتب الكاتب الساخر أوسكار وايلد مقولته: “اليوم يعرف المرء ثمن كل شيء، وقيمة لا شيء”، ويبدو أن الغرب أخذ هذه المقولة على محمل الجد في سوق الأرواح العالمية.
إنها ليست مجرد ازدواجية معايير، بل نظام عالمي متكامل يعيد إنتاج عنصرية جغرافية مقنعة بثوب حقوق الإنسان، فصرخة طفل فلسطيني تحت الأنقاض لا يسمعها العالم، وصرخة طفل سوداني في مقبرة جماعية -لا تزال أذن العالم مصابة بالصمم الاختياري إزاءها.
أما السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لو كان الضحية في بلفاست سودانياً، والجاني بريطانياً، فكيف ستكون التغطية الإعلامية؟ لكن لا داعي للإجابة، فهذا اختبار ذهني لن يُجرى، لأن السيناريو نفسه مستحيل الحدوث في عالم مثالي تختلف فيه قيمة الإنسان حسب جنسيته وإحداثياته.