رأي

صيحه في وادي الصمت

عمار عوض

ظلت الانقلابات العسكرية في السودان أمرا شائع جدا منذ الانقلاب الأول الذي قام به المقدم علي حامد في الديمقراطية الأولى ١٩٥٨ ثم نجح بعده الفريق عبود القائد العام في تسلم السلطة من عبدالله خليل وتناسلت بعدها الانقلابات من لدن جعفر نميري ١٩٦٩ وانقلاب ١٩ يوليو الذي دشن به دموية عقوبات الانقلاب حيث تبعثرت الجثث في صحراء ببوضة شمال السودان بعدما ألقيت من الطائرات في الخلاء ومازالت قبورهم مجهولة وبلغت الدموية ذروتها في دفن ضباط حركة الخلاص الوطني – ٢٨ رمضان الذي قام به البعثيين الذين كانت أرواحهم تنبض قبل دفنهم

وبعد الثورة في ديسمبر – أبريل ٢٠١٩ ونجاحها وقع أكثر من ستة انقلابات لم يعدم فيها أحد بعد أن عاد السجن والاعتقال هما العقوبة وكان أشهرهم انقلاب المقدم ود البدوي وآخر شرع فيه الفريق هاشم عبد المطلب وانقلاب العميد بكراوي ليستولي بعدها الجيش والدعم السريع نفسهم على السلطة في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١

وعادت رائحة الموت تلف شوارع الخرطوم التي كانت تمتلئ بالمتظاهرين

ثم جاءت الطامة الكبرى عندما حاول الدعم السريع السيطرة على الحكم بالبندقية أبريل ٢٠٢٣ وربما تزامن أو بدونه محاولة أخرى (الطرف الثالث) للسيطرة بدررهم على السلطة لكن كانت النتيجة هي حرب ضروس تدور رحاها إلى اليوم

أثبتت وقائع التاريخ أن انقلاب العسكريين بقوة السلاح او الانقلاب على ماهو متفق عليه سياسيا تكون نتائجه دائما مأساوية في الأداء العام حيث قاد انقلاب البشير إلى انفصال الجنوب كما قاد انقلاب نميري إلى كوارث لا حصر لها من مجاعات وتهريب الفلاشا أما الفشل في الانقلاب دائما ما يقود إلى شلالات الدم إن كان في يوليو أو رمضان أو شهداء الحرب الحرب الحالية

ظل كثير من العسكريين يقولون أن المؤسسة العسكرية لم تقم قيادتها بالانقلاب في حياتها لمصلحتها وإنما هي قوى سياسية تستخدم ضباط الجيش واسمهم للانقلاب على النظام وإنشاء نظام جديد يستخبى خلف لافتة الجيش وليس الحزب وأن الجيش عبر قيادته العامة وإجماع هيئة الأركان كان يسيطر على الحكم للانحياز للشعب وخلع قائدهم الأعلى تبعا لذلك والذي تقف عليه شاهدا تحركه في ثورتي أكتوبر وأبريل وديسمبر وكلها قادت إلى خلع الروساء العسكريين

وإعادة السلة إلى أصحابها عبر صناديق الانتخابات والعودة للثكنات تبعا لذلك

الآن الجيش السوداني على سدة الحكم ويخوض حربا استنزفته اقتصاديا ما قاد إلى تذمر واضح ما جعل إرهاصات الانقلاب التي تعبئ السوشال ميديا والقروبات العامة أن الانقلاب أي كان دافعه في الوقت الحالي سيمزق السودان وجيشه إربا إربا لأن الخرطوم تعج بالمقاتلين مختلفي المصالح من الموقعين على سلام جوبا وكيكل والبراء وهو أمر لا تطنطح عنزتان عن نتائجه لذا مجرد التفكير فيه جريمة قومية بعد كل الذي سردناه أو لم نفصله لكن النتيجة واضحة في تخلف السودان عن الركب منذ استقلاله

ظلت الانقلابات تسير على ثلاث التردي الاقتصادي والشقاق السياسي والتراجع في ميدان الحرب في الجنوب انذاك والتخويف من خطر التمرد كما نجد أن انقلاب / ثورة / انتفاضة ديسمبر وأبريل سبقهم إرهاصات من على شاكلة حملة (ارحل) قبيل ديسمبر
٢٠١٨ و مذكرات كبار القادة مثل ما حدث في أبريل ٨٥

اليوم تظهر على السطح مؤشرات مثل حملة (اختانا) من السياسيين المنتشرة بكثافة والذي إذا قرأته مع التردي الاقتصادي العام وغلاء السلع وندرتها وأزمات الوقود والصفوف للحصول عليه والهجوم الضاري على الحكومة المكلفة حاليا مع أن الجيش ليس في طور الهزيمة التي يمكن أن تخلق أرضية لأي انقلاب يتم استخدام عدم تقدمه بالقدر الكافي لتبريره لكن كل ذلك يؤكد ان الجو جو انقلاب

وصل قائد الجيش إلى مدينة حلفا ترافقه مؤشرات تبرير الانقلاب للغير من ندرة سعر وغلاء وتضخم وثبات في الميدان لا تقدم وضغوط دولية للقبول بخطة حتما ستقود لتقسيم السودان ومع ذلك عندما اعتلى المنصة وخاطب المحتشدين أمامه والقادة السياسيين في مدنهم ومنافيهم قال بن الحل في (انتخابات بس) ومع أنه أخطأ خطأ جسيما عندما قرر النتيجة مسبقا بأن حمدوك لن يعود رئيسا وأنه والقحاتة لن يحكمونا لأن الأفضل كان أن يقول (انتخابات بس) وإذا انت بكم الجماهير بالتصويت مرحبا بكم كان سيكون أفضل من الإيحاء الذي وضعه بأنه يقصد اللجوء إلى انتخابات رئاسية فقط ما جعل مفهوما لي هذه الحملة المسماة( اختانا) لكن هذا ليس مربط الفرس بل مربطه هذه الإشارات الكثيفة من الذين يرفضون أي تقارب مع الولايات المتحدة والذين يحبون موسكو والصين و(كومشنات / عمولات) صفقات الأسلحة والعقود أكثر من حبهم لمكة والمدينة بجانب اؤلئك الذين صعدوا بفعل الفراغ والعدم السياسي

طريقة الإسلاميين في التعامل مع تحركات إقصائهم كانت دوما تبرر الانقلاب عندهم إن كان أبعاد (الجبهة الإسلامية) من حكومة الوفاق الوطني التي برروا بها الانقلاب في ١٩٨٩ أو عزلهم بالاتفاق الطارئ بعد ٢٥ أكتوبر الذي يرى كثيرون أنه استخدم وقودا لإشعال هذه الحرب الدامية فصولها بجانب قرار الجيش العودة للثكنات الذي طرح خلال التفاوض على الإطاري والذي كان يعني أيضا خروج الدعم السريع وعودته للثكنات وهو الذي يرى كثيرون أنه كان دافعا للإسلاميين المدنيين قبل العسكريين داخل مفاصل الدعم السريع لإشعال هذه الحرب لأنهم أيضا لا يريدون أن يفقدوا ما راكموه من سلطات وأموال ونفوذ تحت ظل بندقية الدعم السريع

أي انقلاب عسكري في الربع الثاني للقرن الواحد وعشرين وفي ظل الأجواء الحالية والحرب الداخلية والإقليمية والدولية سيقود لحريق لا يبقى ولا يذر وإن نجح سيعيد السودان ليس إلى العصر الحجري كما حذرت صحيفة الديمقراطي قبل ٢٥ أكتوبر ولكن سيعيدنا إلى العصر الطباشيري

إن محاولة المضي في انتخابات رئاسية فقط دونا عن مستويات الحكم الأخرى سيقود لإيغار الصدور والفتنة التي هي أشد من القتل

أي محاولة لتكرار التاريخ بأرضية يوفرها السياسيون (ارحل / اختانا / فكو دربنا) وعمل عسكري من داخل الجيش للسيطرة على السلطة سيفتح ليس أبواب الجحيم بل إنه سيكون أسوأ من الجحيم نفسه عندما يلعلع الرصاص

الديمقراطية لا تبنى بالبندقية مطلقا والاستقرار لن يأتي وفق نظرية البصيرة أم حمد كما أن السودان يحتاج أكثر من ذلك لكن بالضرورة ليس انقلابا يقوم به بعثيين منفلتين وشيوعيين مفصولين، وكيزان غاضبين لا يروا في السلطة إلا جائزة لخدمتهم الدولة

الانقلاب ليس حل

الإقصاء ليس حل

الانتخابات الرئاسية دونا عن بناء نظام سياسي عبر الانتخابات أيضا ليس الحل

الأوطان العظيمة تبنى بالإجماع الوطني والنظم السياسية التي تعالج الاختلالات التاريخية والبنيوية لا بأن يغرر أحدهم بالآخرين ويقودنا إلى هلاك أكثر مما نحن فيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى