-محجوب فضل بدرى-
-كُنَّا طلاباً بمدرسة مروى الأميرية الوسطى وبها أربعة فصول ومعمل متكامل ومخازن ومكاتب ادارة، وآلة طابعة، وحديقة غَنَّاء، وتوفر المدرسة كل الكتب والكراسات والأدوات المدرسية وتنظم الليالى الأدبية والرحلات العلمية، وتصاريح سفر بالدرجة الثالثة بالسكة الحديد والبواخر النيلية للطلاب لأماكن اقامة ذويهم فى الأجازات السنوية،أمَّا داخلية المدرسة وبها ستة عنابر فسيحة كانت توفر السكن المريح نسبياً سرير وبطانيتن ومخدة، وثلاث وجبات مُشبعة، نصيب الطالب ثلاثة عيشات من رغيف الطابونة الذى لم يكن يتناوله معظم أهالى الطلاب الا فى الأعياد والمناسبات وشاى باللبن عند الصباح. وتتوفر بالداخلية مياه الشرب من النيل ، ومياه لغسل الملابس من البئر الموجودة فى وسط الداخلية مع صرف صابونتين وظهرة أسبوعياً لكل طالب، ومكواه لكل سبعة طلاب، وللنشاط الرياضى هناك ميدان قانونى لكرة القدم،وأربع ميادين للكرة الطائرة، ولكرة السلة، وتربيزتين مجهزتين بالكامل للعبة تنس الطاولة،وراديو. فى وسط هذه الحياة المجانية المترفة قياساً بما كانت عليه معيشة معظم الأهالى، فقد كُّنَّا ندرس بالمجان، ونأكل ونشرب بالمجان، ونلعب بالمجان، ونسافر بالمجان،ونتلقى العلاج بالمجان،ونشاهد السينما المتجولة بالمجان، وفى هذا الجو المستقر والآمن،قامت ما عُرِف بثورة أكتوبر، ولم نتخلف عن هذه (الهوجة) مثلنا مثل غيرنا الذين كانوا يتمتعون بذات الخدمات فى سائر أنحاء السودان،وقد قامت الشرطة بما يمليه عليه واجبها فى مثل هذه الأحوال،ورأينا فى مروى وللمرة الأولى البمبان،وشاهدنا البوليس يحمل الهروات الغليظة بدلاً عن عصا الجنب الأنيقة السوداء، والدرقات المصنوعة من السعف المقوى،ويلبس طاقية الحديد بدلاً عن الكسكتة الأنيقة ويطاردناحتى تنفضَّ المظاهرة التى كنا نردد فيها الى الثكنات ياعساكر!! ويخرج البعض عن النص، فيقول الى الثكنات ياحشرات، فأسقطنا هيبة الشرطة التى كانت عقوبة قطع زرارة من قميص البوليس تصل لستة أشهر سجناً، وما كنَّا ندرى اننا أِنَّما نُسقط نعمة حفظ الأمن بل نسقط الدولة ذاتها ومن يومها ما قلنا(أَحْىَّ العافية)!! وظل الحال يتدهور من سئٍ الى أسوأ وصدق فينا المثل الشعبى (السمكة وَكِت تشبع تَنُط من الموية !!
-لم تكن ما عُرِف بثورة أكتوبر سوى تَرَف نُخَب عاصمية لا تخدم الا أهدافاً مشبوهة لا تريد لبلادنا أستقراراً ولا أمناً،وأصدق ما قيل فى هذا الخصوص الهتاف الشهير (ضيَّعناك وضِعنا وَرَاك ياعبود) !!
ولم تنتج لنا ثورة أكتوبر سوى كَمَّاً هائلاً من الأناشيد الرنَّانة والأغانى الطنَّانة وتدهوراً مريعاً فى الخدمة المدنية،وتراجعاً ملموساً فى سائر الخدمات من تعليم عام وعالى، وصحة عامة وصحة بيئة، ومياه رى ومياه شرب نقية، ومواصلات واتصالات، وتوقفت عجلة التنمية عن الدوران وتعطل الأنتاج، ولم نستوعب الدرس فقد مرت السنوات ونحن نرزح تحت وطأة تدنى الخدمات وتوقف التنمية التى بدأها (العساكر)!! ولم تُضِف لها الحكومات الحزبية ولا طوبة واحدة، ولم يستأنف مسيرة التنمية الا (العساكر) مجدداً بعد مايو، وقامت الانتفاضة ضد نميرى، وعادت الأحزاب التى لم تتعلم شيئاً،ولم تنسَ شيئاً،ولم تخطو خطوةً واحدة على طريق التنمية حتى قامت الأنقاذ فقامت بما قامت به،ودارت البلاد فى الدائرة المفرغة،من انقلاب عسكرى فثورة شعبية ففترة انتقالية فحكومة حزبية ثم انقلاب عسكرى وهكذا!!
-وكُسرت هذه الدائرة كليَّاً بعد اندلاع حرب الكرامة التى أشعلتها مليشيا عيال دقلو وظهيرهم السياسى قحط بتمويل دويلة الشر مخلب القط للصهيونية، وردَّ الله كيدهم لم ينالوا خيراً، وجيشنا ينتقل من نصرٍ الى نصر، حتى النصر الحاسم بأذن الله. لكن من المؤكد فان السودان ما بعد الحرب لن يكون هو سودان ما قبل الحرب، فالدرس القاسى والثمن الباهظ لن يذهب هدراً، ودماء الشهداء لن تضيع سُدىً، دون معاقبة غُلاة المجرمين وفق القانون وليس بالأنتقامٍ الأعمىٰ .
ولنلتفت بعد الحرب الى السؤال المعلق فى كيف يحكم السودان؟ لا من يحكم السودان!! لتنهض بلادنا من جديد بالانتاج والمزيد من الانتاج.
-كان الصول عبد العاطى أقدم رتبة فى شرطة كريمة وهتف بعض المتظاهرين ضد الشرطة فقالوا(عبد العاطى راجل واطى!!)
وفى المساء ذهب حضرة الصول الى أحد اباء الطلاب وأشتكى له من هتاف ولده ضده هو شخصياً (بالاسم) وكرر ذلك مع كثير من الآباء.
شوف السماحة وشدة البوليس ،وحسن التصرف !!
وكان يسأل(أنا ياحاج فلان راجل واطى؟) فيقول له: حاشا عليك والله. ده منو القال كدى؟ فيرد: ده ولدك !!
وكان نصيب الأولاد علقة ساخنة بى حبل الحمار!! بينما أفلت المتسببون الأساسيون من العقاب المستحق. (الله يجازى الكان السبب) !!
-وكان نصيب بلادنا الأضطراب والحيرة التى تكتنفها حتى اليوم .