صراع استيراد الوقود بين دعاوي التحرير وممارسة الاحتكار… اتهامات تطال الحكومة
Mazin
تقرير: ايلاف يتصاعد الجدل في السودان حول ملف استيراد الوقود، في ظل تباين حاد بين آراء خبراء وفاعلين في القطاع، واتهامات متبادلة بين مؤيدي تحرير السوق ودعاة تدخل الدولة، بينما تتمسك الجهات الرسمية بدورها التنظيمي والرقابي. ويأتي هذا الجدل في وقت تعاني فيه البلاد من أوضاع اقتصادية معقدة بفعل الحرب، حيث أصبح الوقود – وفق مراقبين – عاملاً مؤثراً في تعميق الأزمة المعيشية، وسط تحذيرات من تحوله من محرك للإنتاج إلى أداة لامتصاص السيولة من القطاعات الضعيفة، بما يقود إلى حالة من الركود التضخمي وتآكل القوة الشرائية. تباين في الرؤى الاقتصادية ينقسم المتابعون لملف الوقود إلى اتجاهين رئيسيين؛ الأول يرى أن تحرير السوق هو الحل الأمثل لضبط الأسعار عبر المنافسة، بينما يدعو الاتجاه الآخر إلى تدخل الدولة الكامل أو الجزئي لحماية المستهلك من ما يصفه بـ”جشع الشركات”. ويؤكد أنصار التحرير أن الدولة يجب أن تقتصر على التنظيم والرقابة، لا الدخول كمنافس في سوق السلع الاستراتيجية، مشيرين إلى أن التجارب السابقة أظهرت انخفاض هوامش أرباح الاستيراد إلى ما بين 3 و7% في ظل الوفرة. في المقابل، يرى آخرون أن ترك السوق دون ضوابط صارمة أدى إلى هيمنة ما يشبه “كارتيلات احتكارية”، داعين إلى تولي المؤسسة السودانية للنفط لعمليات الاستيراد، أو فرض سيطرة كاملة على التسعير والتوزيع، لضمان العدالة ومنع المغالاة في الأسعار. اتهامات بفساد وهيمنة وتصاعدت الاتهامات بوجود فساد إداري في إدارة الملف، مع الإشارة إلى أن بعض الشركات العاملة في الاستيراد لا تمتلك بنى تحتية حقيقية، مثل المستودعات أو محطات التوزيع، وهو ما اعتبره منتقدون دليلاً على اختلال معايير منح التصاديق. كما تحدثت آراء داخل القطاع عن تضخم كبير في هوامش الأرباح، لتصل – بحسب تقديرات غير رسمية – إلى ما بين 40 و60% للشحنة الواحدة، مقارنة بمعدلات أقل بكثير قبل الحرب، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار الوقود للمستهلك النهائي. في المقابل، دافعت أطراف أخرى عن دور الدولة، مشيرة إلى أن وزارة الطاقة تمثل جهة فنية أساسية في الإشراف على جودة المنتجات وتنظيم عمليات الاستيراد والتفريغ، إضافة إلى امتلاكها أكبر السعات التخزينية في البلاد، ما يجعلها لاعباً محورياً في ضمان الإمدادات. اتهامات متبادلة بين الشركات وتشير روايات من داخل القطاع إلى أن شركات خاصة حققت أرباحاً كبيرة خلال السنوات الماضية، فيما تتهم هذه الشركات بالسعي لإبعاد الجهات الحكومية من الاستيراد لتحقيق سيطرة أكبر على السوق. كما برزت اتهامات بأن بعض الشركات قدمت عروضاً غير واقعية في العطاءات للفوز بحصص الاستيراد، في حين تحدثت مصادر أخرى عن منافسة متزايدة من شركات جديدة، ما أدى إلى تصاعد حدة الصراع داخل السوق. غياب المساءلة ورغم كثرة الاتهامات المتداولة بشأن الفساد، يلفت مراقبون إلى غياب تحركات واضحة من الجهات العدلية، بما في ذلك نيابة حماية المال العام، لفتح تحقيقات رسمية، وهو ما يعزز حالة الجدل ويزيد من فقدان الثقة. كما تتجه الأنظار إلى مجلس السيادة للمطالبة بتفعيل آليات مكافحة الفساد وإنشاء مفوضية مختصة، في ظل دعوات متزايدة للتدخل لضبط القطاع. دعوات للإصلاح العاجل وفي مقال تحليلي، أشار الكاتب مزمل أبو القاسم إلى ما وصفه بوجود “مافيا” تتحكم في سوق الوقود، متهماً جهات رسمية باتباع سياسات تفتقر للشفافية وتعزز المحسوبية في توزيع حصص الاستيراد بين شركات حكومية وخاصة. وانتقد ما اعتبره إصرار وزارة الطاقة والمؤسسة السودانية للنفط على السيطرة على واردات الوقود، بدلاً من تحرير السوق وتركه لآليات العرض والطلب، مشيراً إلى أن هذا النهج أدى إلى تقليص المنافسة وارتفاع هوامش الأرباح بشكل كبير. وأوضح أن الوقود يمثل سلعة استراتيجية تؤثر على مختلف القطاعات الاقتصادية، من الزراعة والصناعة إلى النقل، ما يجعل أي خلل في إدارته ينعكس مباشرة على معيشة المواطنين. كما لفت إلى أن السياسات الحالية سمحت – بحسب قوله – بدخول شركات لا تمتلك بنية تحتية كافية إلى سوق الاستيراد، في مقابل تقييد شركات أخرى تمتلك إمكانيات تشغيلية، الأمر الذي ساهم في خلق ندرة وارتفاع الأسعار. وأشار إلى أن نسب أرباح شحنات الوقود ارتفعت – وفق تقديراته – من مستويات تتراوح بين 3 و7% قبل الحرب إلى ما بين 40 و60% حالياً، معتبراً أن ذلك يمثل عبئاً إضافياً على المواطن. ودعا الكاتب مجلس السيادة إلى التدخل العاجل لإصلاح سياسات قطاع الطاقة، وتعزيز الشفافية والمنافسة، بما يسهم في خفض الأسعار وضمان استقرار الإمدادات. وتأتي هذه الانتقادات في وقت يواجه فيه السودان تحديات اقتصادية متفاقمة، مع استمرار تأثيرات الحرب على القطاعات الحيوية ومستوى معيشة المواطنين. الرواية الرسمية: تحرير منذ 2021 في المقابل، أكدت وزارة الطاقة في بيان رسمي أن الدولة خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود منذ عام 2021، مع تطبيق سياسة التحرير، موضحة أن دورها الحالي يقتصر على الجوانب الرقابية والتنظيمية، بما يشمل تحديد احتياجات البلاد والإشراف الفني على الاستيراد وضمان مطابقة المنتجات للمواصفات. وأشارت الوزارة إلى وجود أكثر من عشر بواخر في انتظار التفريغ بميناء بورتسودان، إلى جانب أكثر من 20 باخرة أخرى في محيط البحر الأحمر، ما يعكس – بحسب البيان – استمرار تدفق الإمدادات رغم التحديات. كما عزت الوزارة ارتفاع الأسعار محلياً إلى الزيادات العالمية، موضحة أن سعر برميل الجازولين ارتفع من نحو 78 دولاراً إلى 245 دولاراً، نتيجة الأوضاع الجيوسياسية، مؤكدة استمرار التنسيق مع المستوردين لتقليل هوامش الأرباح قدر الإمكان. بين الواقع والتوقعات يبقى ملف الوقود أحد أكثر الملفات تعقيداً في الاقتصاد السوداني، حيث يتقاطع فيه العامل السياسي مع الاقتصادي، وتتشابك فيه مصالح الدولة والقطاع الخاص، في ظل غياب رؤية متفق عليها لإدارة سلعة استراتيجية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. ومع استمرار الجدل، يرى خبراء أن الحل يكمن في تحقيق توازن دقيق بين تحرير السوق وضبطه، عبر سياسات شفافة تضمن المنافسة العادلة، وتمنع الاحتكار، وتضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات.