جنوب السودان .. بندقية الثورة نادراً ما تصلح كقلم يخطط للتنمية

تقرير – أمير عبدالماجد

مع تدهور الحالة الصحية لرئيس دولة جنوب السودان وانتشار تسريبات تتحدث عن سيطرة ابنته (أدوت) على مفاصل الدولة ظهرت تقارير تتحدث عن تقييم أداء الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد سنوات من وصولها إلى السلطة وتحولها من حركة تحرر الى نظام حاكم يدير دولة انفصلت عن الدولة الام بعد ان صدع سياسييها والعسكريين المنتمين اليها الناس لسنوات بانهم سيقيمون دولة قادرة على التطور وباسطة للديمقراطية وتحترم حقوق الاقليات اذ بعد سنوات سيطرت مجموعات بعينها على السلطة التنفيذية وعلى موارد الدولة واصبح الحديث الذي يقال في المجالس الخاصة مطروحاً في وسائل الاعلام باعتباره حديثاً في الشأن العام من اول مرض الرئيس الى سيطرة ادوت وغيرها مرورا بمحاكمة رياك مشار واعتقاله وصولاً الى تقدم جيش ناثيال الى العاصمة جوبا اذ قال تقارير مبذولة ومتعددة المصادر ان الميزانية الطبية لرئيس دولة الجنوب تفوق الميزانية التي رصدتها الحكومة للصحة العامة في كل الدولة التي يمتهن مسؤولون حكوميون فيها وسائل وصفت بـ (الغامضة) للاستيلاء على المال العام بشكل ممنهج اذ ان حكومة جنوب السودان استلمت خلال الفترة الماضية حوالي (25) مليار دولار كعائدات تصدير للنفط وهو مبلغ ضخم لدولة فقيرة ماجعل الاعلام يتساءل (اين ذهبت هذه الاموال؟).

وكانت الحكومة في جنوب السودان قد وضعت برنامج اسمته (النفط مقابل التنمية) عقب زيارة الرئيس للصين في العام 2018م بهدف معلن وهو تحسين البنية التحتية للبلاد وتعاقد وقتها سلفاكير مع شركات لتنفيذ انشاءات يتم سدادها عبر النفط الخام وتم تخصيص 2.2 مليار دولار من اموال النفط مقابل التنمية وهي مشروعات يقول مراقبون ان حوالي (95%) منها لم ينفذ لان سلفاكير استثمر الاموال المخصصة للتنمية في اتفاقات مع شركات مرتبطة باصدقاء من دائرته المقربة مثل شركة كروفورد كابيتال المحدودة والمملوكة لـ (ادوت سلفاكير) حيث تتلقى عشرات الملايين من الدولارات عبر الخدمات الحكومية الالكترونية مثل التاشيرات الاليكترونية.

وكان الباحث السياسي احمد سايمون لوك قد أشار في دراسته حول تجربة الحركة الشعبية وتحولها الى حكومة تدير البلاد ويرى سايمون ان المفارقة البنيوية هي في الواقع ثورية بلا ايدلوجيا وهو امر تواجهه هذه الحركات الثورية التي تفتقر لايدلوجيا واضحة ما يجعلها تواجه ازمة وجودية بعد انتصارها فالايدلوجيا ليست شعارات بل دليل عملي يحدد شكل الدولة والاقتصاد والمجتمع بعد التحرر والحركة الشعبية تأسست على هدف مركزي هو التحرر والتخلص من التهميش لكنها لم تطور مشروعاً فكرياً متكاملاً لبناء الدولة ولعل ازمة رحيل المفكر الحركي د.جون قرنق ليقصم ظهرها فوجدت نفسها تحكم دولة مستقلة دون دليل ارشادي سياسي واقتصادي ماجعل السلطة غاية في حد ذاتها بدلا عن كونها وسيلة لتحقيق التنمية فانفرط الامن اذ بدلاً عن كون الجيش الشعبي محتكر للعنف الشرعي تحول الى مظلة للفصائل العرقية ولم تنجح الحركة في التحول من شرعية السلاح الى التنمية والدولة فاصبحت الدولة تدار عبر المراسيم الرئاسية والترضيات السياسية القائمة علي المحاصصات القبلية وظهر إلى السطح مع الوقت مايمكن تسميته بـ(مرض النفط) الذي اغرى السياسيين والعسكريين واصبح يغذي شبكات الولاء السياسي الشخصي وتقارير الامم المتحدة وثقت نهب مليارات الدولارات في وقت يعيش فيه الشعب على المساعدات الانسانية وتبقى اشكالات اشار لها سايمون غير (مرض النفط) مثل وجود بعض الاشخاص في السلطة بشرعية (نحنا حررناكم) كما قال حاكم اعالي النيل مؤخرا اذ يعتقد هؤلاء ان وجودهم في السلطة حق شرعي لانهم من حرر جنوب السودان وبدونهم ماكانت للدولة وجود وهنا يري سايمون ان المحرر الداخلي تحول الي مصدر تهديد وفقد معناه ورمزيته التاريخية ويضيف (الحزب الذي حكم كل هذه السنوات وهي فترة كافية لبناء جيل كامل وتحقيق نهضة اقتصادية مثل ماحدث في رواندا وسنغافورة وهي فترة كافية لوضع لبنات قانونية لدولة القانون وغيرها) ويقول (ماحدث يقدم دليلا اضافياً للقارة ان بأن بندقية التحرير نادراً ما تصلح كقلم لخطط التنمية الوطنية) فالحركة كما يرى نجحت تاريخياً كأداة عسكرية لانتزاع الحقوق لكنها فشلت سياسياً كاداة لبناء الدولة المعاصرة ويعتقد سايمون ان خطاب المدافعين عنها الان ليس قراءة واعية للمستقبل بل هو الية دفاع نفسية وسياسية لحماية امتيازات النخبة او تعبير عن حالة استلاب فكري ترفض الاعتراف بان البطل التاريخي وهو الحركة الشعبية قد تحول الى عقبة في طريق نهضة الوطن.

Exit mobile version