لماذا لم يعد رجال الأعمال إلى السودان؟

سؤال اليوم

القاهرة – سماح طه

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، بدأت ملامح العودة إلى السودان تظهر تدريجيًا. فمئات الأسر السودانية تغادر مصر يوميًا في طريقها إلى الوطن، فيما استأنف نحو 450 مصنعًا نشاطه من بين آلاف المصانع التي توقفت بسبب الحرب. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإنها لا تزال غير كافية لتحقيق التعافي الاقتصادي المنشود، إذ إن عودة المواطنين وحدها لا تكفي ما لم تتزامن مع عودة رأس المال والاستثمارات.
فعودة المصانع تعني توفير فرص العمل وتحريك الأسواق، كما تسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يستنزف البلاد من العملة الصعبة. غير أن التحدي الأكبر يظل في عودة رجال الأعمال والمستثمرين، باعتبارهم المحرك الرئيس لعجلة الاقتصاد، والقادرين على إعادة تشغيل المؤسسات الإنتاجية والخدمية التي تعطلت خلال الحرب.
وفي ظل الحديث عن تحسن الأوضاع الأمنية في عدد من الولايات، يبرز سؤال يفرض نفسه: لماذا لم يعد رجال الأعمال السودانيون جميعًا إلى الداخل؟ وهل عاد بعضهم بالفعل؟ وما العقبات التي لا تزال تؤخر عودة الآخرين؟ وهل تكمن المشكلة في البنية التحتية، أم في السياسات الاقتصادية، أم في بيئة الاستثمار نفسها؟
“الأحداث” طرحت هذه الأسئلة على عدد من رجال الأعمال والمستثمرين والمهتمين بالشأن الاقتصادي، فجاءت الإجابات متباينة، لكنها اتفقت على أن تعافي الاقتصاد السوداني لن يكتمل إلا بعودة الاستثمار والإنتاج جنبًا إلى جنب مع عودة المواطنين.
رجل أعمال: معظم المستثمرين عادوا… لكن التحديات لا تزال كبيرة
استهل رجل أعمال سوداني بارز، فضل حجب اسمه، حديثه لـالأحداث بتصحيح ما وصفه بالمفهوم السائد حول غياب رجال الأعمال عن السودان، مؤكدًا أن الغالبية قد عادت بالفعل وتمارس أعمالها من الداخل، غير أن العودة لا تعني أن الطريق أصبح مهيأً أمام الاستثمار.
وأوضح أن الحرب تسببت في خسائر جسيمة للقطاع الخاص، إذ فقد كثير من المستثمرين كل ممتلكاتهم أو جزءًا منها، الأمر الذي أجبرهم على إعادة بناء أعمالهم من الصفر، في وقت لم تستعد فيه الأسواق والخدمات الأساسية والبنية التحتية عافيتها بصورة كاملة.
وأضاف أن مظاهر الحياة التجارية بدأت تعود تدريجيًا، إلا أن المستثمرين ما زالوا يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها تعدد الجبايات والرسوم الحكومية، وحظر بعض السلع، إلى جانب التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني، وهي عوامل يرى أنها ترفع تكلفة الإنتاج وتحد من قدرة القطاع الخاص على التوسع، رغم الرغبة الجادة لدى كثير من المستثمرين في استئناف نشاطهم داخل البلاد.
جوزيف مكين: بيئة الاستثمار لا تزال غير مهيأة لعودة رأس المال
يرى رجل الأعمال جوزيف مكين أن السبب الرئيس وراء تأخر عودة عدد كبير من رجال الأعمال إلى السودان هو أن بيئة الاستثمار لم تتهيأ بعد لاستقبالهم، مؤكدًا أن المستثمر لا يبحث عن الاستقرار الأمني وحده، بل يحتاج أيضًا إلى بنية تحتية وتشريعات وسياسات اقتصادية تمنحه الثقة في إعادة ضخ أمواله.
وقال مكين لـالأحداث إن كثيرًا من رجال الأعمال فقدوا رؤوس أموال طائلة خلال الحرب، بعد تدمير مصانعهم ومؤسساتهم، ورغم الحديث المتكرر عن وجود قوانين مشجعة للاستثمار، فإنها لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، ولم تصدر تشريعات أو حوافز حقيقية تعوض المستثمرين عن خسائرهم أو تشجعهم على العودة.
ودعا بنك السودان المركزي إلى لعب دور أكثر فاعلية خلال هذه المرحلة، من خلال تنظيم لقاءات وندوات تضم بنك السودان ووزارة المالية والبنوك التجارية والمستثمرين واتحاد أصحاب العمل، بهدف الاستماع إلى المشكلات التي تواجه القطاع الخاص، وفي مقدمتها أزمة مديونيات المستثمرين للبنوك، والتوصل إلى حلول عملية تسهم في إعادة تنشيط الاستثمار والإنتاج.
واقترح أن يستفيد بنك السودان المركزي من الأموال السائلة لشركات الاتصالات، إلى جانب أموال التأمينات، في تمويل البنوك عبر قروض حسنة، بما يمكّنها من إعادة تمويل المشروعات الإنتاجية ومساعدة المستثمرين على استئناف نشاطهم وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة.
وأشار إلى أن تكلفة الإنتاج لا تزال تمثل واحدة من أكبر العقبات، موضحًا أن المواد الخام المستوردة تخضع لرسوم جمركية، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة البالغة 17%، والتي تُدفع مقدمًا، وهو ما يستنزف جزءًا كبيرًا من رأس المال العامل للمستثمر ويزيد الأعباء المالية على المصانع في مرحلة إعادة التشغيل.
وأضاف أن أزمة الطاقة تمثل تحديًا لا يقل أهمية، لافتًا إلى أن المناطق الصناعية في بحري وسوبا لا تزال تعاني من انقطاع الكهرباء، ولا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على عودة التيار بصورة مستقرة. وأكد أن تشغيل المصانع باستخدام الجازولين يضاعف تكلفة الإنتاج، الأمر الذي يجعل المنتجات المحلية عاجزة عن منافسة السلع المستوردة، خاصة القادمة من مصر.
كما انتقد ارتفاع تكلفة التمويل المصرفي، مشيرًا إلى أن أرباح البنوك تجاوزت 30%، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على المستثمرين الراغبين في إعادة تشغيل مصانعهم.
ووجه مكين رسالة إلى وزير المالية والأمين العام لديوان الضرائب، مطالبًا بإصدار معالجات استثنائية للشركات التي تكبدت خسائر كبيرة بسبب الحرب، من بينها ترحيل المطالبات الضريبية إلى السنوات المقبلة، حتى تتمكن تلك المؤسسات من استعادة نشاطها قبل مطالبتها بسداد التزاماتها.
وأضاف أنه يتطلع إلى تنفيذ قرارات رئيس الوزراء المتعلقة بحصر الجبايات في الرسوم القانونية فقط، وإلغاء الجبايات الولائية التي تشكل عبئًا إضافيًا على المستثمرين وتؤثر سلبًا في بيئة الأعمال.
وأكد أن كثيرًا من رجال الأعمال لديهم رغبة حقيقية في العودة إلى السودان واستئناف نشاطهم من الداخل، ليس فقط بدافع تحقيق الأرباح، وإنما أيضًا بدافع وطني ورغبة في الإسهام في إعادة إعمار البلاد وتحريك الاقتصاد، مضيفًا: “لا يمكن أن يأتي مستثمر أجنبي إلى السودان إذا لم يجد المستثمر الوطني قد عاد أولًا، فالمستثمر المحلي هو أول رسالة ثقة لأي مستثمر أجنبي.”
وختم حديثه بالتأكيد على أن غياب هذه المعالجات والتشريعات، إلى جانب مشكلات الكهرباء والتمويل والضرائب والجبايات، يمثل أبرز الأسباب التي لا تزال تؤخر عودة رجال الأعمال والمستثمرين إلى السودان، رغم رغبة كثير منهم في استئناف نشاطهم من الداخل.
الدكتور عبدالله البدوي: لا يمكن أن يعود مستثمري التعليم قبل تهيئة بيئة العمل
قال الدكتور عبدالله البدوي، صاحب مدارس الجودة، إن مستثمري التعليم يواجهون تحديات كبيرة تحول دون عودتهم واستئناف نشاطهم بصورة كاملة، موضحًا أن إعادة إعمار المؤسسات التعليمية التي دمرتها الحرب تأتي في مقدمة هذه التحديات.
وأضاف البدوي، في حديثه لـالأحداث، أن مدارس الجودة تقع في منطقة الخرطوم، وأن الوصول إليها أصبح مكلفًا للغاية، إذ تبلغ تكلفة الذهاب والإياب يوميًا نحو 25 ألف جنيه، بخلاف تكاليف المعيشة والوجبات، وهو ما يزيد من الأعباء التشغيلية على المستثمرين.
وأشار إلى أن الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي يمثل أحد أكبر التحديات، في ظل ارتفاع تكلفة مصادر الطاقة البديلة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة تشغيل المدارس والمؤسسات التعليمية.
وأكد أن المباني المتضررة تحتاج إلى أعمال تأهيل وصيانة شاملة حتى تصبح صالحة لاستقبال الطلاب من جديد، إلى جانب التحديات المتعلقة بتوفير الكتاب المدرسي والوسائل التعليمية والأدوات المدرسية، وهي متطلبات أساسية لاستئناف العملية التعليمية بصورة طبيعية.
وأوضح أن المستثمرين في قطاع التعليم يواجهون أيضًا ضغوطًا مالية كبيرة نتيجة الضرائب والزكاة والرسوم المحلية، مشيرًا إلى أن تعدد هذه الالتزامات يرفع تكلفة التعليم ويضاعف الأعباء على المؤسسات التعليمية.
وأضاف أن هذه العوامل تنعكس بصورة مباشرة على الرسوم الدراسية، التي ترتفع إلى مستويات تفوق قدرة كثير من الأسر على تحملها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، الأمر الذي يضعف قدرة المواطنين على إلحاق أبنائهم بالمدارس.
وقال البدوي إن بسط الأمن واستقرار الأوضاع يمثلان الأساس الذي تُبنى عليه عودة الاستثمار في قطاع التعليم، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتخفيف الأعباء المالية عن المؤسسات التعليمية حتى تتمكن من أداء رسالتها.
وأضاف: “على الرغم من كل هذه التحديات، فإننا نتمنى أن نعود اليوم قبل الغد، وما زلت أجاهد من أجل تحقيق حلم العودة واستئناف نشاطنا من داخل السودان.”
وشدد على أن حسم التفلتات الأمنية يمثل التحدي الأكبر أمام المستثمرين، لأن انتشار الجريمة يحد من عودة النشاط الاقتصادي والتعليمي، مؤكداً أن فرض هيبة الدولة وبسط الأمن في جميع المناطق سيعيدان الثقة للمستثمر الوطني، ويشجعان على عودة المؤسسات التعليمية وغيرها من المشروعات، بما يسهم في إعادة الحياة إلى طبيعتها وتحريك عجلة التنمية من جديد.

Exit mobile version