رأي

بكى السودانيون سمو الأمير الوالد….

فيما ارى
عادل الباز

السَّنَدُُ الذي لن ينساه الأَوْفِيَاءُ
١
تموت الرجال بأجلها وتبقى المَآثِرُ… وأي مَآثِرُ عظيمة تلك التي تركها سمو الأمير الوالد حمد بن خليفة وأي بصمات تركها في تاريخ بلاده بل في تاريخ العالم.
*ترك الدنيا وفي”ذاكرة الدنيا له ذكر وذِكْرَى من فعال وخلق وله إِرْثٌ من الحكمة والحلم وحب الكادحين، وله في خدمة الأمة عَرَقٌ ” رحمة الله تتنزل عليه.
2
لم أرى حُزْناً خيم على مَدِينَةٍ وهى تبكي باني نهضتها كما خيم امس الحزن على الدوحة، حتى خيل لي وأنا أطوف بشوارعها الزَاهٍية أنها بقيت صَامِتَةً مَذْهُولَةً مَصْدُومَةً من فرط فجيعتها… وكيف لا…الأرض تعرف من عمرها وحولها من صحراء قَاحِلَةٍ إلى فضاء زَاهٍ بالعمران والجمال…. تعرف من وازنها بالقيم والمواقف البطولية فعلى ذِكْرَى شعبها …وأحبهم الناس والتفت قلوب المحبين في دوحة العرب لا والله أحالها سمو الأمير الوالد إلى دوحة للعالمين تهفو إليها أفئدة الناس من أقصى الدنيا إلى أقصاها.
3
ستجد الآن من يحدثك عن مَآثِرُ سمو الأمير في كل مجال، سينظر ويكتب الاقتصاديون بكثير من الإعجاب بالنهضة التي أحدثها في مجال الاقتصاد والعمران ببلاده وكيف نهض بها من تحت الصفر ليترك وَطَناً بلغ فيه فائض الميزان التجاري السلعي لدولة قطر خلال عام 2025 نحو 189.3 مليار ريال قطري، وعلى قمة العالم في كل شيء من سماحة انسأنها إلى تعليمها وإعلامها إلى عمرأنها إلى رياضتها إلى ثقافتها إلى أرض تنتج الخير ومحبة الناس بأكثر ما تنتج الغاز المسال التي تتربع على عرش إنتاجه وتصديره.
4
من السياسيين من سيحدثك عن ذكاء قطر في استخدام القوة الناعمة في التأثير وبلورة سياستها الخارجية. عندما رحل سمو الأمير اليوم كانت دولة قطر في المرتبة الثانية والعشرين عالميا في مؤشر أفضل الدول بالقوة الناعمة الصادر عن مؤسسة براند فاينانس العالمية لعام 2025، ويضم المؤشر 193 دولة وتقييم من 173 ألف شخصية مشاركة تشمل قطاع الأعمال وصانعي السياسات والقيادات المجتمعية وبحسب المؤشر فإن قائمة الخمسة الكبار عالميا تشتمل على: الولايات المتحدة الأميركية والصين والمملكة المتحدة واليابان وألمانيا. وظهر مفهوم القوة الناعمة على يد أستاذ العلاقات الدولية الأميركي الشهير «جوزيف ناي» عام 1990، وهو مفهوم يعبر عن قدرة دولة ما على جعل الدول الأخرى تنجذب لنظامها: الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي طوعًا لا كرهًا، من خلال التأثير في الجماعات والأفراد، عن طريق الإعلام أو الآداب والفنون والعلاقات الدولية والقدرة على جذب الاستثمارات.
5
سيكتب كثيرون عن كيف استطاع سمو الأمير الوالد أن يكسب معاركه التي خاضها جميعا من معركة الفقر إلى الحروب إلى الحصار إلى الحرب الاقتصادية إلى شتى الحروب السياسية والإعلامية التي شنت على دولة قطر. سيكتب في التاريخ كيف أن دولة صَغِيرَةٍ استطاع إعلامها أن يقود الإعلام العالمي ويؤثر فيه ويتفوق عليه في وقت وجيز على دول كُبْرَى و رَاسِخَةٍ ومُسَيْطِرَةٍ إعلاميا لعقود كثيرة في الوطن العربي ذلك بفضل رؤية وحكمة سمو الأمير.
6
سيسجل في وقائع التاريخ المواقف البطولية التي وقفها في كل القضايا التي تهم الأمة وفي مقدمتها قضية فلسطين التي كانت همه الأكبر وبذل في سبيلها من وقته وجهده وماله ولم يبذله من قبله أحد لا في العالم ولا في العالم العربي والإسلامي. سيكتب الفلسطينيون اسمه بأحرف من نور في كتاب نضالاتهم…الآن تشعر غزة وستشعر بحزن حقيقي و سيحس كل مستضعف أنه فقد سَنَداًً وأبا دَاعِماً ومجاهداً طالما دافع عن المستضعفين في أقطار الأرض بماله وإعلامه. سيحدثك الدبلوماسيون في العالم بكثير من الدهشة والإعجاب عن كيف تجلت عبقرية قطر في قدرتها الفريدة على تحويل الجغرافيا المحدودة إلى منصة تأثير عالمي عابر للحدود، معتمدة في ذلك على استراتيجية لا تستند إلى الاصطفاف التقليدي، بل إلى شبكة علاقات متوازنة ومرنة تتيح لها التحرك في مساحات سياسية يراها الآخرون مستحيلة. لم تكن هذه الأدوار التي لعبتها قطر وتلعبها اليوم مجرد ردود فعل آنِيَّةً، بل جاءت نتاج رؤية استراتيجية (2030) وَاعِيَةً تدرك أن أمن الدولة الصَغِيرَةٍ في منطقة شديدة الاضطراب يكمن في تحولها إلى ‘طبيب سياسي’ لا ينحاز إلا للسلام. نجحت الدوحة في مد جسور التواصل بين أقطاب مُتَنَافِرَةٍ، جَامِعَةًً بين علاقاتها الرَاسِخَةٍ مع القوى الدولية العظمى وقدرتها على استيعاب الحركات الإقليمية، مما جعلها الملاذ الآمن والموثوق لحل أكثر النزاعات استعصاءًًً. وسواء كان ذلك في ملفات دارفور، أو الوساطات المعقدة لإنهاء الحروب الإقليمية، أنها تمتلك من ‘المرونة الرشيقة’ والصدقية ما لا تملكه القوى التقليدية؛ فهي دبلوماسية لا تبحث عن الغلبة أو الهيمنة، بل عن ‘الكلمة السواء’ التي تنهي نزيف الدم و تطفئ فتيل الحرائق، لتتحول الدوحة بفضل هذه الحكمة. إلى عاصمة السلام العالمي.
7
سيروي لك الرياضيون كيف استشرف سمو الأمير الوالد مُبَكِّراًًً أن الملاعب ليست مجرد ساحات للتنافس، بل هي منابر حضارية لمد الجسور بين الشعوب. فقد صاغ برؤيته الثاقبة استراتيجية جعلت من الرياضة ركيزة أساسية في ‘القوة الناعمة’ القطرية، مُحَوِّلاًًً الدولة إلى عاصمة عالمية تحتضن كُبْرَى البطولات وتستقطب أنظار العالم. لم يكن طموحه مَحْدُوداًًً بإنشاء الصروح العمرانية والمنشآت العالمية -على فرادتها- بل تجاوز ذلك إلى غرس ثقافة رياضية عالمية جعلت من الدوحة وجهة مفضلة للرياضيين والجمهور من مختلف أصقاع الأرض. لقد كان المونديال وما سبقه من أحداث رياضية كُبْرَى، ترجمة عملية لفلسفته التي تؤمن بأن الرياضة لغة عالمية قادرة على كسر الحواجز، وتعريف العالم بجدية الطموح القطري، وقدرة الإنسان القطري على استضافة العالم بتميز يمزج بين أصالة التراث وحداثة التخطيط، ليصبح الرياضي في قطر سَفِيراًًً لقيم الدولة، وصورتها المشرقة في المحافل الدولية.
8
إذا كان للمؤرخين والاقتصاديين والسياسيين أن يكتبوا عن إِرْثٌ سمو الأمير الوالد في قادم الأيام، فإنني في الحلقة الثانية من مقالي هذا، لن أعتمد على التوثيق المجرد، بل سأستحضر ما عاصرته وعاينته وعشته بنفسي؛ سأحكي عن تلك الأيادي البيضاء التي امتدت لتلمس جراح السودانيين، وعن أفضالٍ طوّق بها سموه أعناقنا بسخاء لا يعرف الحدود في كل المجالات. لقد كان سمو الأمير الوالد –حتى في وصاياه الأخيرة– سَنَداًًً لا يلين لبلدٍ أرهقته المحن، فلم تكن مواقفه مجرد دعم سياسي، بل كانت تَجْسِيداًًً لروابط أخوية عميقة وممتدة عبر السنين. إنها مواقفٌ محفورة في ذاكرة شعبٍ عُرف بالوَفَاءًً، شعبٍ لا ينسى من وقف معه في عثراته، وظل يكنّ لقطر وقيادتها محبةً صَادِقَةً، وَفَاءًًً ليدٍ كَرِيمَةٍٍ لم تكن يوماً إلا عوناًًً ونبضاًًً للخير.
““*رب شمس غربت والبدر عنها يخبر
*وزهور قد تلاشت وهي في العطر تعيش*
*ولمن ولي جميل يُوثر ولمن ولي حديث يُذْكَرُ**.
صلاح أحمد إبراهيم (شاعرنا ومحب الدوحة وأهلها) نواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى