رأي

مـَن يفكـر للسـودان؟

مهند عوض محمود

لدينا وزارات تدير الاقتصاد… لكننا لا نملك عقلاً اقتصادياً….

قد يبدو السؤال غريباً، لكنه ربما يكون أخطر سؤال اقتصادي يجب أن يطرحه السودان اليوم:
من يقرر ماذا يجب أن ينتج السودان؟
الإجابة، بكل أسف، هي: لا أحد. قد تبدو الإجابة قاسية، لكنها تعكس واقعاً نعيشه كل موسم. فالسودان لا يملك حتى اليوم قاعدة بيانات زراعية دقيقة ومحدثة تخبر الدولة، قبل بداية الموسم، ماذا سيزرع المزارعون، وكم ستكون المساحات المزروعة، وما حجم الإنتاج المتوقع، ولا توجد جهة تحدد ما هي المحاصيل التي ينبغي التوسع فيها، أو تلك التي يجب تقليلها، وفقاً لاحتياجات الأسواق العالمية أو الميزة النسبية للسودان.

في الواقع، يُترك القرار للمزارع وحده. يزرع ما نجح فيه الموسم الماضي، أو ما زرعه جاره، أو ما يعتقد أنه سيحقق له ربحاً أكبر، دون أن تكون أمامه معلومات دقيقة عن اتجاهات الطلب العالمي، أو إنتاج الدول المنافسة، أو الأسواق التي ستنمو، أو تلك التي بدأت تنكمش. وهكذا يتحول الإنتاج الزراعي، في كثير من الأحيان، إلى اجتهادات فردية، بينما يفترض أن يكون نتيجة تخطيط اقتصادي وطني.

وعندما تنهار الأسعار، أو نفقد سوقاً، أو يتراجع الصادر، تبدأ الاجتماعات واللجان والبحث عن الأسباب، بينما كانت المشكلة الحقيقية أننا دخلنا الموسم بلا رؤية.

وهذه ليست مشكلة الزراعة وحدها، بل هي انعكاس لطريقة إدارة الاقتصاد السوداني بأكمله. فنحن ننتج أولاً ثم نبحث عن الأسواق، ونبني المصانع ثم نسأل من سيشتري إنتاجها، ونصدر المواد الخام ثم نتساءل لماذا لا ترتفع عائداتنا، وعندما نخسر سوقاً أو ينهار سعر سلعة نبدأ في البحث عن الأسباب. أما الدول التي حققت قفزات اقتصادية، فإنها تبدأ من الاتجاه المعاكس؛ فهي تدرس الأسواق العالمية، وتحلل اتجاهات الطلب، وتراقب المنافسين، ثم تحدد ماذا يجب أن تنتج، وكيف تنتجه، ولمن تبيعه، وبعدها فقط توجه الاستثمار والتمويل والإنتاج.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
من يفكر للاقتصاد السوداني؟

لدينا وزارة للمالية، ووزارة للزراعة، ووزارة للتجارة و الصناعة، وبنك السودان المركزي، وهيئات ومجالس عديدة، لكن لا توجد مؤسسة قومية واحدة تتفرغ لاستشراف المستقبل الاقتصادي، وتجمع المعلومات، وتحلل الأسواق، وتقرأ التحولات العالمية، ثم تحول كل ذلك إلى سياسات وقرارات. الدول الناجحة لا تترك مستقبلها للمصادفة.
في اليابان، لا تنتظر الشركات حتى تسافر إلى الخارج لتكتشف الأسواق بنفسها، بل تقوم منظمة التجارة الخارجية اليابانية (JETRO) بدراسة الأسواق العالمية، وتحليل الفرص، وتوفير المعلومات الدقيقة للشركات عن الطلب، والمنافسين، والتشريعات، وفرص الاستثمار، قبل أن تتحرك. ثم يأتي دور JICA لربط التعاون الدولي بالتنمية الاقتصادية، وتمويل المشروعات، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، بما يخدم الرؤية الاقتصادية اليابانية.

وفي كوريا الجنوبية، لعبت وكالة KOTRA دوراً محورياً في فتح الأسواق أمام الشركات الكورية، بينما وفر معهد التنمية الكوري (KDI) الدراسات الاقتصادية والاستشرافية التي ساعدت الحكومات المتعاقبة على اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة، لا على ردود الأفعال.

أما سنغافورة، فقد بنت نجاحها على المعرفة قبل الموارد. فمؤسسة Enterprise Singapore تراقب الأسواق، وتساعد الشركات على التوسع عالمياً، بينما يقود مجلس التنمية الاقتصادية (EDB) استراتيجية الدولة في اختيار الصناعات التي ستقود الاقتصاد خلال العقود المقبلة، وليس فقط خلال العام المقبل.

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس أسماء المؤسسات، وإنما الفكرة.
فكل هذه الدول تمتلك عقلاً اقتصادياً يراقب العالم نيابة عن الدولة، ويقرأ المستقبل قبل أن يتحول إلى حاضر، ويقدم لصانع القرار معلومات لا انطباعات، وبدائل لا شعارات.

أما في السودان، فما زالت المعلومات مبعثرة بين الوزارات، والجامعات، وغرف التجارة، والمصدرين، والمنظمات الدولية، ولا توجد جهة واحدة تجمعها وتربط بينها وتحولها إلى رؤية اقتصادية وطنية.

ولذلك نظل نكرر الأخطاء نفسها. نتوسع في محصول لأن سعره ارتفع العام الماضي، فيزرعه الجميع، ثم تنهار الأسعار. ونهجر محصولاً لأن سعره انخفض، ثم ترتفع قيمته في الموسم التالي. وندخل أسواقاً من دون دراسة، ونخرج من أخرى من دون أن نفهم لماذا خسرناها.

ليست المشكلة في نقص الخبراء، ولا في نقص الموارد، ولا حتى في نقص الأفكار.
المشكلة أننا لا نملك المؤسسة التي تحول كل ذلك إلى قرار.

لهذا، فإن السودان لا يحتاج إلى وزارة جديدة، ولا إلى جهاز حكومي أكبر، بل يحتاج إلى مركز قومي للاستشراف الاقتصادي والأسواق، يعمل مباشرة مع مجلس الوزراء، ويضم خبراء في الاقتصاد، والزراعة، والصناعة، والتجارة، والبيانات، والتكنولوجيا، وتكون مهمته دراسة الأسواق العالمية، وتحليل اتجاهات الطلب، ومراقبة المنافسين، وتحديد الفرص الجديدة، وإصدار تقارير دورية تساعد الحكومة والقطاع الخاص على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.

هذا المركز لا يكتب تقارير للأرشيف، بل يقدم إنذاراً مبكراً قبل الأزمات، ويجيب عن أسئلة عملية مثل: ماذا يجب أن نزرع العام المقبل؟ وأي الصناعات تستحق الاستثمار؟ وأين توجد الأسواق الجديدة؟ وكيف نحافظ على أسواقنا الحالية؟ وما المنتجات التي يجب أن نصدرها خاماً، وما الذي يجب تصنيعه داخل السودان؟

لقد ظل السودان لعقود يردد أنه بلد غني بالأرض والمياه والثروة الحيوانية والمعادن، لكن العالم لم يعد يقيس ثروة الدول بما تملكه تحت الأرض، بل بما تملكه داخل مؤسساتها.

فاليابان ليست أغنى منا في الموارد، وسنغافورة ليست أكبر منا مساحة، وكوريا الجنوبية ليست أكثر خصوبة، لكنها جميعاً امتلكت شيئاً نفتقده حتى اليوم…
مؤسسات تفكر قبل أن تقرر.

ولهذا، فإن أخطر سؤال اقتصادي في السودان ليس: كم يبلغ سعر الدولار؟ ولا كم سنصدر هذا العام؟ ولا كم سننتج من السمسم أو الصمغ العربي؟
السؤال الحقيقي هو …….من يفكر للسودان؟
لأن الدولة التي لا تمتلك مؤسسة تقرأ المستقبل، ستظل تعالج أزمات الحاضر، بينما يصنع الآخرون المستقبل. إن أخطر ما يواجه الاقتصاد السوداني ليس نقص الموارد… بل غياب العقل الذي يحول هذه الموارد إلى ثروة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى