النكبة (2)

بروف سعد يوسف يكتب

كنت قد نشرت حلقات مطولة صورت فيها ما تعرضت له من إنتهاكات الجنجويد  وأطلقت ( النكبة ) عنواناً لها . والآن أعود للعنوان مرة أخرى و ستعلمون في نهاية المقال طبيعة ( النكبة 2)

بعد عودتي لأمدرمان منذ بداية العام الحالي قضيت شهوراً أراقب عن كثب الجهود المقدرة لسكان ولاية الخرطوم و واليها . ثم وسعت العدسة لتشمل أحوال سكان السودان و أهوال حكومتهم السنية. فكتبت مقالاً مطولاً مدعوماً بالبينات والأسانيد ناصحاً للحكومة . توصلت فيه إلى أن إعمار البلاد يبدأ من إعمار إنسانها ، لأن الإنسان هو الموكل بإعمار البنيان . وإعمار الإنسان يبدأ وينتهي تحت عنوان كبير هو ( الثقافة ) بكل ما تحمل من معاني ومدلولات .

لم أفكر كثيراً في الجهة التي أوجه لها نصحي إذ لم أجد سوى الوزارة الوحيدة التي تحمل إسم ( الثقافة ) بجانب حقائب الإعلام والسياحة والآثار و أشياء أخرى كثيرة ومفيدة . توكلت على الحي القيوم ووجهت مقالتي لمن يحمل كل تلك الحقائب ، دون أن يكل أو يمل ، عله يستبين النصح قبل الغد.

و في ذات اليوم الذي قررت فيه نشر مقالتي قطع التلفزيون القومي نشرته الرئيسية ليذيع علياً مؤتمراً صحفياً مهماً لرئيس الوزراء . فسمعت ما سمعت ورأيت ما رأيت فتبينت أنه لم يكن مؤتمراً صحفياً ولا يحزنون إذ أن المخرج لم يعرض لنا صورة أو صوتاً لأي صحفي .. فكان الحدث أقرب إلى أن يكون مشهداً في مسرحية نصنفها ( نحن المسرحيين ) في قاع المسرحيات الهزلية بطلها ومخرجها هو الوزير الهمام الذي سحب دور البطولة من رئيسه المباشر وحوله إلى (شخصية مساعدة) أقرب ما تكون إلى ما نسميه في مسرح الفكاهة بالشخصية ( السنيدة ) . أما المخرج الذي رسم حركة الشخصية المساعدة فقد أجاد إذ أنه تمكن من الإكثار من حركة هروب تلك الشخصية من مصادر الصوت في وسط المسرح ( وهو أقوى مناطق خشبة المسرح ) إلى الأطراف الضعيفة . وهي حركة يرسمها المخرجون عادة لتصوير الشخصية في حالة قولها أو فعلها لما يغالط الواقع المعلوم بالضرورة لكافة جمهور المتفرجين . و أقول للمخرج شكراً فقد ثبت ما كان يدور في الأسافير .. وأشكرك مرة أخرى لأنك قد إبتدعت مصطلحات لشخصيات جديدة علينا نستأذنك في أن نضيفها لمعلوماتنا ، فأنت حين لم تظهر الصحفيين ( صورة وصوتاً ) فقد أضفت لما نعرف عن ( الكمبارس الصامت ) و ( الكمبارس الناطق ) يمكن أن نطلق عليها مصطلح ( الكمبارس الوهمي أو المتوهم ) إذ إعتمد على خيال المتفرج في أن يتصور أن المؤتمر ( الصحفي ) حضره (صحافيون ) .

هنا يا سادتي بدأت أفقد ( الأمل !!) ولم ألبث أن ندمت في اليوم التالي على التفكير في الكتابة ( من أصلو ) عندما شاهدت في قناة الجزيرة  معالى الوزير ( الذي يحمل كل تلك الحقائب دون أن يكل أو يمل ) وهو يتقمص شخصية نمطية قديمة كان يمثلها أستاذنا عبد الوهاب الجعفري ، رحمه الله ، ويطلق عليها إسم ( شكلة جاهزة ) ينتقد بها نمطاً من الشخصيات التي لا عمل لها سوى إختلاق المعارك في غير ما معترك .

بعد كل ذلك قفزت إلى ذهني آخر كلمات سعد زغلول ( مافيش فايدة ) فأنا لا أدري أيهما أشد قساوة علي : العذابات التي تعرضت لها من الجنجويد وكتبت عنها في حينها ( النكبة ) أم خيبة ( الأمل !! ) التي أعيش في كنفها حالياً ؟! . فأنا لا أملك سوى أن أردد أغنية ( مسكين البدا يأمل ) ثم أستغفر الله كثيراً وأكرر سراً وجهراً : لا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون .

Exit mobile version