لم يعد تراجع الجنيه السوداني مجرد مؤشر اقتصادي يتحرك على شاشات الصرافة؛ فقد تحول إلى واحدة من أكثر النتائج المباشرة للحرب تأثيراً في حياة السودانيين. تحقيق موسع نشرته رويترز هذا الأسبوع أظهر أن العملة فقدت قرابة نصف قيمتها في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش منذ بداية الصيف، في واحدة من أشد موجات الانخفاض منذ اندلاع الحرب قبل نحو ثلاثة أعوام ونصف.
النتيجة تظهر يومياً في أسعار الغذاء والدواء والوقود والنقل والإيجارات. ومع انخفاض الدخول الحقيقية وتراجع النشاط الاقتصادي، أصبح ارتفاع الدولار يعني عملياً ارتفاع تكلفة الحياة بالنسبة إلى ملايين المواطنين.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا يواصل الجنيه الهبوط رغم وجود صادرات ذهب كبيرة؟
مفارقة الذهب
السودان يمتلك مورداً يفترض نظرياً أن يوفر جزءاً مهماً من احتياجات البلاد من النقد الأجنبي: الذهب.
المشكلة ليست فقط في كمية الإنتاج، وإنما في النسبة التي تدخل بالفعل إلى النظام المالي الرسمي.
فكل أوقية ذهب تخرج خارج القنوات الرسمية تعني أن جزءاً من النقد الأجنبي الناتج عنها لا يصل إلى الجهاز المصرفي، وبالتالي لا يستخدم في تمويل واردات الوقود والقمح والدواء والسلع الأساسية.
ومن هنا يصبح التهريب أكثر من جريمة تجارية؛ إنه نزيف مباشر لاحتياطيات النقد الأجنبي.
دائرة الدولار والذهب
تعمل الأزمة في دائرة شبه مغلقة.
ينخفض الجنيه، فيصبح السعر الذي يستطيع السوق الموازي دفعه مقابل الذهب أعلى من السعر الرسمي.
ينتقل مزيد من الذهب إلى السوق غير الرسمية.
تتراجع حصيلة النقد الأجنبي التي تدخل البنوك.
يقل عرض الدولار في القنوات الرسمية.
يرتفع الدولار مجدداً.
ثم يصبح تهريب الذهب أكثر ربحية.
كسر هذه الدائرة لا يتم فقط بإصدار قرار يمنع التهريب، بل بجعل بيع الذهب عبر النظام الرسمي أكثر جاذبية اقتصادياً.
لماذا احتجت شركات التعدين؟
تظهر هنا أهمية الأزمة الأخيرة بين السلطات وشركات معالجة مخلفات التعدين.
عندما ترى الشركات أن سياسات شراء الذهب أو تسعيره تجعل نشاطها أقل جدوى، فإن الدولة تواجه خياراً صعباً: الإصرار على التحكم الإداري في السوق أو منح المنتجين مرونة أكبر مقابل إعادة الذهب إلى القنوات الرسمية.
ولهذا فإن التعديلات الأخيرة التي تسمح بمساحة أوسع في بيع الإنتاج واستخدام حصائل الصادرات يجب قياس نجاحها بنتيجة واحدة واضحة:
هل ستزداد كمية الذهب التي تدخل فعلياً إلى النظام المصرفي؟
إذا لم يحدث ذلك، فلن يكون تعديل المنشورات كافياً.
الحرب غيرت الاقتصاد نفسه
المشكلة الأعمق أن السودان لم يعد يعمل داخل اقتصاد وطني موحد بالطريقة التقليدية.
الحرب قسمت مناطق الإنتاج والأسواق ومسارات التجارة والتحصيل، وأضعفت المؤسسات، ووسعت الاقتصاد النقدي غير الرسمي، وأدت إلى انتقال أعداد ضخمة من السكان ورؤوس الأموال.
وهذا يجعل إدارة سعر الصرف أصعب كثيراً.
البنك المركزي يستطيع تعديل القواعد المصرفية، لكنه لا يستطيع بمفرده إعادة تشغيل المصانع أو تأمين الطرق أو زيادة الصادرات الزراعية أو وقف تهريب الذهب.
وهنا تكمن حدود السياسة النقدية أثناء الحرب.
الواردات تضغط في الاتجاه الآخر
في الوقت نفسه، يحتاج السودان إلى كميات كبيرة من النقد الأجنبي لتمويل الوقود والقمح والدواء ومدخلات الإنتاج.
وبالتالي توجد معادلة غير متوازنة: الطلب على الدولار مستمر، بينما المصادر الرسمية للعملة الصعبة محدودة.
كلما اتسعت هذه الفجوة، تحرك المستوردون نحو السوق الموازية، فيرتفع السعر أكثر.
وتنعكس النتيجة مرة أخرى على المواطن.
هل الحل في الذهب وحده؟
لا.
لكن الذهب هو أسرع مورد يمكن أن يحدث فرقاً في المدى القصير.
أما المدى المتوسط فيحتاج إلى إعادة تشغيل الصادرات الزراعية والثروة الحيوانية، وتحسين النظام المصرفي والتحويلات الخارجية، واستعادة الإنتاج الصناعي، وتقليل فاتورة الاستيراد حيثما أمكن.
كما يحتاج إلى سياسة سعر صرف تجعل الفرق بين السعر الرسمي والسوق الموازي محدوداً بما يكفي لتقليل حوافز المضاربة والتهريب.
الاختبار الحقيقي للسياسة الجديدة
خلال الأسابيع المقبلة، لا ينبغي قياس نجاح إجراءات بنك السودان بعدد المنشورات التي يصدرها.
هناك ثلاثة أرقام أهم: حجم مشتريات الذهب الرسمية، حصيلة الصادرات التي دخلت المصارف، والفارق بين سعر الدولار الرسمي والموازي.
إذا تحسنت المؤشرات الثلاثة، تكون السياسة بدأت تعمل.
أما إذا ظل الذهب يتسرب خارج النظام الرسمي والدولار يرتفع، فستكون المشكلة أكبر من قدرة الأدوات المصرفية الحالية.
وهنا يصبح الاستنتاج الأساسي واضحاً: أزمة الجنيه ليست أزمة «مضاربين» فقط، وليست أزمة نقدية منفصلة؛ إنها انعكاس مالي مباشر لاقتصاد الحرب نفسه.