قدم تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر اليوم صورة غير معتادة للاقتصاد العالمي: صدمة طاقة تضغط على التضخم والنمو من جهة، وطفرة استثمارية يقودها الذكاء الاصطناعي تساعد على إبقاء الاقتصاد أكثر صموداً من جهة أخرى.
رفعت OECD توقعها لنمو الاقتصاد العالمي في 2026 إلى 2.9% مقابل 2.8% في تقديرات يونيو، لكنها خفضت توقعات 2027 إلى 3%. كما رفعت توقعاتها للتضخم في دول مجموعة العشرين، في إشارة إلى أن تأثير أزمة الطاقة أصبح أكثر رسوخاً.
المفارقة الجديدة
عادةً ما تؤدي صدمة كبيرة في أسعار الطاقة إلى تباطؤ اقتصادي واضح.
لكن ما يحدث حالياً مختلف جزئياً.
فالإنفاق الهائل على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية وشبكات الكهرباء المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يخلق موجة استثمار رأسمالي كبيرة، خصوصاً في الولايات المتحدة وبعض الاقتصادات الآسيوية.
وبذلك أصبح AI للمرة الأولى تقريباً عاملاً يمكن رؤيته في توقعات الاقتصاد الكلي العالمي، وليس مجرد قطاع تكنولوجي.
لكن النفط لم يختفِ
في الجهة الأخرى، تسببت الحرب في الشرق الأوسط في اضطرابات كبيرة للطاقة.
ارتفاع تكاليف النفط والغاز ينتقل إلى النقل والصناعة والأسمدة والغذاء ثم إلى التضخم.
وهذا يضع البنوك المركزية أمام مأزق: خفض الفائدة لدعم النمو يمكن أن يعيد إشعال التضخم، بينما إبقاؤها مرتفعة يضغط على الاستثمار والديون.
الحلقة الثالثة: السندات
هنا يظهر خطر آخر.
الدول خرجت من جائحة كورونا بمستويات مرتفعة من الدين، ثم واجهت ارتفاع الفائدة، والآن تواجه تكلفة إضافية للطاقة والدفاع.
ارتفاع عوائد السندات يعني أن الحكومات تدفع مبالغ أكبر لخدمة ديونها.
وهذا يقلل الأموال المتاحة للصحة والتعليم والبنية التحتية.
هل يستطيع AI إنقاذ الاقتصاد؟
من المبكر الإجابة.
الاستثمارات ضخمة، لكن السؤال هو ما إذا كانت الأرباح والإنتاجية الناتجة عنها ستبرر التقييمات والأسعار الحالية.
وتحذر OECD من مجموعة مخاطر تشمل أسواق السندات والعوائد المرتبطة باستثمارات AI، إضافة إلى صدمات مناخية محتملة؛ وقد تؤدي مجموعة من الصدمات السلبية إلى خفض النمو العالمي بصورة ملموسة.
الصين وأميركا
المشهد يرتبط أيضاً بالمنافسة الأميركية–الصينية.
واشنطن وبكين تتنافسان على الرقائق والذكاء الاصطناعي والمعادن الحرجة والطاقة النظيفة.
وفي الوقت نفسه، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اليوم إن واشنطن منفتحة على تمديد الهدنة التجارية مع الصين أو التوصل إلى اتفاق أوسع، قبيل القمة الأميركية–الصينية.
هذه العلاقة ستحدد جزءاً مهماً من مستقبل الاقتصاد العالمي.
وما الذي يعنيه ذلك لأفريقيا والسودان؟
الاقتصادات المستوردة للنفط تتلقى الجزء الأسوأ من الصدمة.
فارتفاع النفط يعني مزيداً من الطلب على الدولار ومزيداً من الضغط على العملات المحلية.
لكن طفرة AI تخلق أيضاً طلباً عالمياً متزايداً على النحاس والذهب والمعادن ومصادر الكهرباء والأراضي المناسبة لمراكز البيانات والطاقة المتجددة.
أي أن التحول التكنولوجي يعيد توزيع قيمة الموارد الطبيعية.
بالنسبة إلى السودان، الدرس واضح: امتلاك الذهب والمعادن والأراضي والطاقة الشمسية لا يكفي.
القيمة الحقيقية تأتي من تحويل الموارد إلى سلاسل إنتاج وتمويل وصادرات منظمة.
ولهذا فإن قصة الاقتصاد العالمي في 2026 ليست «الذكاء الاصطناعي» وحده ولا «النفط» وحده؛ إنها صراع بين قوة تكنولوجية تدفع الاستثمار إلى أعلى وقوة جيوسياسية تعيد تكاليف الطاقة والتضخم وعدم اليقين إلى الاقتصاد العالمي