دخلت العلاقة بين الخرطوم وواشنطن منعطفاً جديداً مع الكشف عن حجب الولايات المتحدة تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي كان مقرراً أن يشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وبحسب تقرير حصري لرويترز، ربطت مصادر سودانية وأخرى مطلعة مسألة التأشيرة بمقترح أميركي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، طرحه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.
تكمن أهمية التطور في أنه ينقل الخلاف بين الحكومة السودانية والإدارة الأميركية من دائرة التصريحات والوساطات إلى مستوى أكثر مباشرة. السودان لجأ بالفعل إلى الأمم المتحدة، طالباً تدخل الأمين العام أنطونيو غوتيريش بشأن التأشيرة، بينما أصبح وزير الخارجية السوداني مرشحاً لإلقاء كلمة السودان بدلاً من البرهان إذا لم تُحل الأزمة.
ماذا تريد واشنطن؟
المعلومات المتاحة تشير إلى أن المبادرة الأميركية تقوم على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، على أن ترتبط بمسار سياسي أوسع يقود إلى حوار شامل وحكومة مدنية. وتقول الخارجية الأميركية، وفق ما نقلته مصادر صحفية، إن واشنطن تريد من الطرفين القبول بالهدنة والانخراط في عملية سياسية.
لكن نقطة الخلاف الأساسية ليست مدة الهدنة وحدها، وإنما ما الذي يحدث خلالها وبعدها؟
من وجهة نظر قيادةالسودان، يمكن لوقف إطلاق النار الذي لا تحكمه ترتيبات عسكرية واضحة أن يؤدي إلى تجميد خطوط السيطرة وإعطاء الدعم السريع فرصة لإعادة التموضع. وهذه مسألة ظلت حاضرة في المواقف السودانية تجاه المبادرات السابقة.
أما المنظور الأميركي فينطلق من أولوية وقف القتال وإيصال المساعدات ثم بناء مسار سياسي.
وهنا تتصادم فلسفتان مختلفتان لإنهاء الحرب: الأولى تبدأ من الترتيبات العسكرية والأمنية؛ والثانية تبدأ من وقف النار والعملية السياسية.
لماذا التأشيرة أداة حساسة؟
الأزمة أكثر تعقيداً لأن الولايات المتحدة ليست فقط طرفاً دولياً يمارس ضغوطاً سياسية؛ بل هي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة.
ولهذا احتج السودان بأن المشاركة في أعمال المنظمة الدولية ينبغي ألا تتحول إلى ورقة في الخلافات الثنائية. وأشار مندوب السودان لدى الأمم المتحدة إلى قرارات ومداولات أممية سابقة تناولت مشكلة تأخير أو رفض تأشيرات ممثلي الدول.
وبذلك أصبحت القضية تسير في مسارين متوازيين: خلاف أميركي–سوداني بشأن الحرب، ومسألة قانونية ودبلوماسية مرتبطة بالتزامات الدولة المضيفة.
ما وراء هدنة التسعين يوماً
الأكثر أهمية صحفياً هو معرفة ما إذا كانت الهدنة المقترحة مجرد ترتيب إنساني مؤقت أم أنها المرحلة الأولى من خريطة طريق سياسية جديدة.
فإذا كانت المبادرة تشمل وقف النار ثم حواراً سياسياً وحكومة مدنية، فإن الصراع حولها لا يتعلق بتسعين يوماً فقط، بل بشكل السلطة التي ستنشأ بعد الحرب.
وهذا يفسر ارتفاع مستوى الحساسية.
كما يفسر لماذا أصبحت تصريحات واشنطن بشأن شرعية طرفي الحرب جزءاً من المشهد. فالمقاربة الأميركية، كما تبدو من المواقف المعلنة، لا تريد تحويل انتصار أي من الطرفين العسكريين تلقائياً إلى تفويض سياسي دائم.
ثلاثة أسئلة حاسمة
السؤال الأول: هل تستطيع واشنطن الحصول على قبول متزامن من الجيش والدعم السريع بشروط واحدة قابلة للتنفيذ؟
الثاني: من سيراقب الهدنة؟ فالتجربة السودانية منذ أبريل 2023 شهدت اتفاقات ووقف إطلاق نار لم يصمدا طويلاً.
الثالث: ماذا عن القوات والمواقع والمدن والممرات الإنسانية أثناء الهدنة؟ فمن دون إجابات عملية يمكن أن تتحول الهدنة من وسيلة لإنهاء الحرب إلى فترة لإعادة ترتيب القوات.
ماذا بعد؟
أزمة التأشيرة، في ذاتها، قد تنتهي بتسوية دبلوماسية. لكن ما كشفته أهم من التأشيرة نفسها: هناك مواجهة سياسية حقيقية حول شكل الطريق إلى إنهاء الحرب.
ويبدو أن واشنطن تحاول رفع تكلفة رفض خطتها، بينما تريد الخرطوم منع تحول الضغط الدولي إلى مسار يفرض ترتيبات لا تتفق مع تصورها لنهاية الحرب.
لذلك فإن الخبر الحقيقي خلال الأيام المقبلة لن يكون: هل حصل البرهان على التأشيرة؟
بل: ما النص الكامل لمقترح التسعين يوماً، وما الالتزامات المطلوبة من كل طرف، وما موقع الترتيبات العسكرية والسياسية داخله؟
هذه الوثيقة، إذا ظهرت تفاصيلها، ستكون أهم وثيقة سياسية متعلقة بالحرب السودانية في المرحلة الحالية.