بقلم : الرفيع بشير الشفيع
٣١ يناير ٢٠٢٤م
___________________
مقدمة:-
في هذا السرد التاريخي المختصر ، دعونا نتعرّف على القائد السوداني من حلفاية الملوك ، والذي أسس دولة تشاد الإسلامية وعاصمتها إنجمينا وأخرجها من براثن الحكم الفرنسي اللئيم ، واليوم تخلد إلى الأرض وتفتح علينا الكير الفرنسي خلف شتات الغزاة.
ودعونا نربط ما يحدث للسودان من دولة تشاد (الإسلامية – السودانية ، سابقا والتي أسسها أميرنا السوداني البطل) ، ودعونا نعرف هذا الحقد التشادي وحملة التتار الذين تساندهم، هل هي ردة فعل على حملة أميرنا البطل السوداني رابح الزبير باشا من عاصمته انجنينا إلى الكاميرون؟
ودعونا نعرف لماذا تحاربنا فرنسا، وهل يربط العملاء الداخليين والخارجيين، حروبهم علينا بربطها بتاريخنا الحديث ، كردة فعل لحملات التحرر الوطني ، أيام قري والحلفايا، ومملكة سنار والمهدية، ويربطونه بالتحرر الحقيقي للسودان من براثن الحكم التركي – الصهيوني – المصري والحكم الإنجليزي – الصهيوني – المصري ، والاستعمار الفرنسي، الذي أحدث الصراع السوداني السابق والحالي؟
[١]
وُلد الأمير السوداني رابح بن الزبير بن فضل الله، ( نابليون افريقيا كما اطلق عليه أعداؤه الفرنسيون أنفسهم ، وخلدت ذكراه والى اليوم ، وفق إعادة إسم إنجمينا ، الإسم الذي اختاره لعاصمته لاحقا ، قبيل تغيير اسمها لفورت لامي) ، ولد البطل والقائد السوداني ، نابليون أفريقيا، من أسرة عربية ، في حلفايا الملوك في العام ١٨٤٢م ، أي بعد تسع وثلاثون عاما من إنتفاضة الشعب السوداني على الحكم التركي في ثورته المهدية الميمونة ، ضد الحكم التركي ، على يد محمد علي باشا ، الذي أنهى أعظم دولة إسلامية نشأت في السودان ، مملكة سنار الأسلامية – العربية (١٥٠٤ – ١٨٢١م ).
كانت حلفاية الملوك تمثل عاصمة الملوك العبدلاب، والتي انتقلوا اليها بعد قرِّي الحالية ، والتي كانت تحكم السودان الشمالي من أربجي إلى حدود السودان الشمالي ، بالشراكة الفيدرالية مع مملكة سنار ، أول دولة إسلامية في العصر الحديث تأسست على أعقاب نهاية مملكة علوة المسيحية ، وعاصمتها سوبا الحالية ، والتي كانت تمثل أنضر عاصمة ( مدنية – علمانية حينها) بالحكم المدني ، المادي ، أيام كان السودان يرقد في ثبات عميق تحت ظلام المسيحية والتي استحلته ووضعت عليه يدها في أعقاب حملات متلاحقة من البطلميين والآشوريين والهكسوس على مناطق النوبيين.
[٢]
توفي والد بطلنا رابح وهو في بطن أمه ، وتبناه عظيم السودان حينها القائد الزبير باشا رحمة ، (العبدلابي، والبطل المغوار حاكم منطقة بحر الغزال وسليل عبدالله جماع ) ، الإرث الذي تمدد في عهد إبنه سليمان الزبير وإبنه بالتبني رابح ( نابليون أفريقيا )، والذي تمددت المملكة في ايامه حتى شملت كل دارفوى وتشاد والمنطقة إلى حدود النيجير والكاميرون.
[٣]
إلا أن أميرنا رابح وبعد أُقتيد البطل السوداني الزبير باشا رحمة لمصر، وبعد أن تم خداع ابنه البطل سليمان الزبير بعده، بخطاب مزوّر من الضابط الإيطالي(جِيسي) الذي أرسله غردون لإغتيال سليمان حينها ، بسبب توسع نفوذه الذي أصبح مهددا للعرش البريطاني، حين زوّر جيسي خطابا من الزبير باشا ( ايام حبسه في مصر) ، يأمر إبنه الأمير سليمان بتسليم نفسه للإنجليز ففعل وغُدِر به واغتيل، ( قارن ما فعله السلوليون والشيعة في حادثة تزوير ختم عثمان بن عفان وتزويرهم لخطاب عثمان لأمير مصر حينها ، وفتح الخطاب من رُسل عثمان في طريقهم لوالي مصر، وفتنتهم بذلك الخطاب، فرجعوا وحاولوا ذو النورين، واغتالوه على صفحات مصحفه ، فحزب الشيطان هو حزب الشيطان ).
[٤]
بداية الطريق لتكوين مملكة تشاد الأسلامية الكبرى :
سرعان ما أصبح رابح الذراع الأيمن للزبير باشا، ومِن ثَمَّ اعتلى عرش القيادة العسكرية لجيش “البازنقر” ليصبح قائدًا عامًّا له بعد انتصاره على حملة (محمد البلالي) الذي عيَّنه الخديوي إسماعيل حاكمًا على بحر الغزال؛ حيث برزت السمات القيادية في شخصية رابح بن فضل الله بصورة جلية في التصدّي لحملة البلالي، وثبتت كفاءته العسكرية ومهارته القيادية الحربية العالية، مما دفَع الزبير لتعيينه قائدًا عامًّا “للبازنقر”؛ عرفانًا بدوره في دَحْر تلك الحملة؛ حيث أفلح رابح في هزيمة البلالي ومطاردته والقبض عليه وقتله في منطقة (ديم جوجو)، كما شارك رابح في معارك الزبير ضد [قبيلة الرزيقات] التي استعدت الزبير باشا من قبل ، وشارك في حملة دارفور التي انتهت بمقتل السلطان إبراهيم قرض في معركة (منواشى) في أكتوبر 1874م.
كانت مواهب رابح الحربية هي التي دفعت بالزبير باشا إلى تسلیمه القیادة العلیا لجیشه؛ حیث هاجم رابح بن فضل الله ملكة وداي ومملكة برنو ومملكة الباقرمي، وغیرها من الممالك التشادیة، وساهمت تلك الانتصارات والمعارك المستمرة في تقوية عود رابح بن فضل الله، وفتحت له الطريق للتفكير في تحقيق طموحاته في تأسيس دولة في السودان الأوسط، وكانت البداية بانفصاله عن سليمان بن الزبير.
وبِذا جاء دور بطلنا رابح بعد إغتيال سليمان ( اخيه بالتبني )، فوسع دولته هو الآخر لتشمل منطقة دارفور وتشاد وأربعين إدارة أهلية من إداراتها ومملكة وداّي ، وانخراط سكان تلك الإدارات معه ، لتأسيس مملكة تشاد الإسلامية الكبرى، وتوسيعها إلى حدود الكاميرون وتمبكتو في مالي ، ( حدود الإستعمار الفرنسي حينها) وجعلها حاجزا قويا امام التمدد الفرنسي بعدما كانت فرنسا ( ولا زالت ) تطمع في خيرات بحيرة تشاد الممتدة من تحت أرض دارفور إلى النيجر ( لاحظ أن الفرنسيين الآن يحاربونا تحت المظلة التشادية ومن مرتزقة النيجير والكامرون ومرتزقة حفتر ومن بعض البرابرة والطوارق، وحتى (بعض) عرب الرزيقات من النيجر ودارفور وغيرها ، توهما أنهم سيملكون السودان ، بنفس الغل الديمغرافي القديم، ومنه خلفه فرنسا، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ، الله يعلمهم.
[٥]
بعد أن شعرت فرنسا، بخطورة أميرنا رابح وأحست بخطورة توسع مملكته في تشاد، وإمكانية تهديد أملاكها في النيجر والكاميرون وتمبكتو وحتى الجزائر ، وعلمت أن رابح يريد تحرير أو المساعدة في تحرير كل تلك الدول من القبضة الفرنسية، إتصل الفرنسيون بالإمارات الاربعين التي خلع رابح أمرائها، إتصلت بهم فرنسا وكتبت معهم معاهدة حماية وأمان بحيث تمنح فرنسا بموجبها القوات الفرنسية ، الشرعية للتدخل لحمايته وارجاعهم لملكهم.
البطل رابح لم يهدد حدود فرنسا الإستعمارية فحسب وحرمانها من وضع اليد على كامل منطقة البحيرة التشادية كأغنى منطقة في العالم ، من حيث موارد المياه واليورانيوم وغيرها ، وهذه هي المنطقة التي تسعى فرنسا وتقوم بمحاولة إقتطاعها كدولة واحدة من حدود كردفان وجنوب كردفان إلى النيجير ( التي صنعت مسرحية تسليمها للجنرالات الجدد في مسرحية متفق عليها للتفرغ لهذا المشروع)، لم يك رابح حينها المهدد لهذه المصالح ، لكنه أيضا من انهى الصلف الفرنسي حينها وكسر كرامة الدولة المدنية التي أسست للثورة الفرنسية كأكبر ثورة عالمية غيرت وجه التاريخ ، حين اشتبك مع كل البعثات الفرنسية على مملكته في تشاد وقتل قوادها بول كرامبل، وبريتونيه، وأسر السلاطين المعزولين، من العملاء الذي مثلوا خيانة لدينهم ووطنهم وظاهروا الفرنسيين، بنفس ما يفعله ابناءهم اليوم من (بعض ابناء الرزيقات وبعض ابناء المسيرية وبعض أبناء وداي في السودان بالتعاون مع غيرهم من الغافلين).
[٥]
إستشهاد البطل.
هجم الفرنسيون على مملكة بطلنا في ٢١ أبريل ١٩٠٠ ميلادية، بقيادة العميدين الفرنسيين ( قورو ، وفورت لامي ) وبقوة فرنسية مدججة بالسلاح الحديث حينها ، آتية من الشقيقة الجزائر المتحررة من الدنس الفرنسي، بعد كانت ترزح تحت نير الإستعمار والتي حاول رابح مساعدتها ايضا في نيل استقلالها، هجموا عليه بالبنادق في معركة ( دكوة الشهيرة) واستشهد أغلب الابطال الذين إلتفوا حوله من مملكته وكسرت رجل رابح وسقط شهيدا ببنادق الغدر الفرنسية ، وبعد استشهاده، قطع رسل الحضارة الفرنسية الغاشمه رأسه وطافوا بها كل المدن التشادية، ثم أخذوا رأسه لمعامل لدراسة جمجمة نابليون افريقيا ثم وضعوه في متحف لإستذكار جرائمهم.
[٦]
بعد وفاة رابح الزبير، وضع الفرنسيون يدهم على تشاد وأطلقوا الفرنسيون إسم فورت لامي، المجرم الفرنسي على عاصمة رابح التاريخية، إنجمينا والتي استعاد اسمها أبناء تشاد الوطنيين الأبرار تخليدا لذكراه ، بل أكرموه كأفضل الابطال الذين أسسوا تشاد الحديثه، اكرموه في دستورهم وخلدّوا اسمه (رابح الأمير السوداني في قلب الدستور التشادي، علامة وعلم لا تخطئه العين ، وتكريم يقول ( ما أكثر الذين وقفوا في وجه دخول الاستعمار إلى البلدان التشادية، غير أن رابح هو أشهرهم على الإطلاق، فهو الذي تصدى للحملات العسكرية الفرنسية» وهذه الجملة ما زالت تزين وتشرف الدستور التشادي.
[٧]
تشاد دولة أسسها البطل السوداني رابح الزبير فضل الله ، ( رابح الزبير باشا ، لاحقا) ودويلة علمّناها معاني الشهادة ، وأخرجناها من ظلمات القهر الفرنسي ، الى رحاب الإستقلال ، لكنها خلدت إلى الأرض وأَبِقَت وجَنَحَتْ وجارت، وما أكثر الآبقين)، وإذ نقول ذلك فإننا ندعو اخوتنا في تشاد من وطنيي تشاد ومن مسلميها وعربها وأفارقتها، أن يراجعوا تاريخهم جيدا وأن يرتقوا لدرجة المسؤولية التاريخية وأن يجلعوا هذه الحكومة تراجع مواقفها حتى لا تقع بلادهم في قبضة الأستعمار الفرنسي البيغض أو تتفتت دولتهم عن آخرها.
اللهم أشهد فقد بلّغت
( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).
الرفيع بشير الشفيع