رأي

السياسة مصالح وليست عواطف

محجوب فضل بدري

كما أنه يجوز أن يُقال بأن السياسة أفكار وليست رجال، لأن الشخصية السياسية لا بد أن تحمل أفكار وبرامج الواجهة التي تعمل تحتها .

لو لم أكن بعيداً عن بلادنا لما ترددت لحظة فى حضور اللقاء الذى جمع الزملاء الصحفيين بسعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام لقوات الشعب المسلحة، فقد كان يكفيني فقط أن أعرف حتى ولو لم تُوجه لِىَ الدعوة ليس تَطَفًّلاً، ولكنه شعور نابع من كون أن القائد العام ليس مُلكاً لأحد ولا لمؤسسةٍ بعينها، فشخصه ووقته وعمله للجميع، وقد طالت سماحته من ناصبه العداء فعفىٰ وصافَحَ وسامَحَ وتغاضىٰ عن كثيرٍ من الأعداء. لم أكن لأنتظر حتىٰ أتلقى دعوةً لأن لقاء سعادة القائد العام شرف كبير لكل وطني غيور يعرف قدر رجال الجيش الذين بذلوا دماءهم رخيصة في سبيل الله والوطن، ويكفي أن نشير إلى الفدائية الفذَّة التي أبداها رجال الحرس الرئاسي في الذود عن (القائد) فقد كانت آخر تعليمات الشهيد الاِمام قائد الحرس لرجاله (أحموا القائد). أيَّاً كان هذا القائد. فيكفى أنه الرمز، مهما كان اسمه أو رتبته.

لو كان القائد العام في تلك اللحظة هو المشير عمر حسن أحمد البشير لقاموا بالواجب نفسه الذي فعلوه مع الفريق أول عبدالفتاح البرهان .

ولأن (الكلام بيجيب الكلام) والواجب أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة- فقد جاء ذكر إنشاء الدعم السريع في عهد البشير، وهذه كانت تقديرات القيادة حينها إن أخطأت أو أصابت. مثلما جاءت تقديرات القيادة بعد التغيير أن يبلغ قائد الدعم السريع منصب النائب الأول للرئيس، أو أن تتوسع صلاحياته في التجنيد والتسليح والانتشار أو الانفتاح في مواقع استراتيجية داخل العاصمة فكل هذه تقديرات القيادة.

نال الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان تأييداً غير مسبوق بفضل بسالته وشجاعته وقوة شكيمته عند مجابهة الأهوال التي كادت أن تعصف ببلادنا وجيشنا، وسيحفظ له الشعب فصلاً رائعاً في سِفر التاريخ، وستخبو كل الحشرجات التي كانت تطعن في صدق توجهه لكن سيبقى في النفس (شئٌ من حَتَّىٰ)!! بسبب موقفه من القائد العام السابق عمر البشير وقد تقدمت به السن وهو في الحبس المتطاول وقد مات من أحبابه الوالدة والزوجة والأشقاء والخال ولم يحظ بتشييعهم، وقد كان بامكان البرهان السماح بذلك!! وأكثر ما يخشاه المشفقون هو أن نسمع في (نشرة تمانية) خبراً يقول: (وااا توفي عمر حسن أحمد البشير ويقام المأتم بمنزل الأسرة بكوبر.) أمد الله في عمره وفَكَّ أسره .

مما قاله الشاعر الراحل محجوب شريف، بعدما بطش نميرى بطشته الكبرى بالشيوعيين، فأعدم منهم مَن أعدم وسجن مَن سجن وطرد مَن طرد وكان نصيب محجوب شريف السجن فقال مسلياً نفسه:

مساجينك مساجينك

نَغَرِّد في زنازينك.

عصافيراً مجرّحة بي سكاكينك.

نغني ونحن في أَسْرَك

وترجف وأنت في قصرك

سماواتك دخاخينك.

ولكن البرهان لا يرتجف من عدوه. وأعذب الشعر أكذبه!!

وبالعودة إلى عنوان هذا المقال فأن السياسة مصالح وليست عواطف، ولو حضرت اللقاء لهمست في أذن الفريق أول البرهان أنه من باب النصيحة والمصلحة أن (لا يَتَلًّوم أكتر من كده) فخامة الرئيس البرهان بعدم السماح للرئيس السابق عمر حسن البشير الذي أمضى نصف قرن في الخدمة العسكرية منذ تخرجه عام 1967م خدمة فعلية غير سنتين بالكلية الحربية والسنوات التى تضاف للخدمة فى مناطق العمليات والآن وقد أربىٰ عمره على الثمانين بالسفر للعلاج في أي مكان يختار، خاصة أنه لا ينازعه الحكم، وأن يتأسى البرهان باستشهاد الثلة المباركة من الحرس الرئاسي،الذين خنقته العبرة عند ذكرهم، ويذكر القائد العام السابق  البشير الذي قدَّم (بيان بالعمل) بحسن تعامله مع القائد العام السابق له المرحوم فتحى أحمد علي، والرئيس الأسبق القائد العام المرحوم جعفر نميري، ورئيس مجلس السيادة السابق له المرحوم أحمد الميرغنى، ورئيس الوزراء الأسبق المرحوم الصادق المهدي.

وغيرهم من المعارضين بمن فيهم ألد الخصوم العقيد جون قرنق !!

ورغم المقولة السائدة فهناك ثمة نافذة للعاطفة في تراثنا وفى ديننا وفي مجتمعنا السوداني الأصيل، يقول الأستاذ عبد الباسط سبدرات الناس يحبون بقلوبهم إلا في السودان فإنهم يحبون بأكبادهم. وقد صدق، فالأبناء هم فلذات الأكباد والآباء هم سند الأبناء وعمر البشير أبْ للجميع بمن فيهم كل الجيش وقياداته الحالية.

ألا هل بَلَّغت !!

اللهم فأشهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى