روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
لم يكن القلب خُلق ليكون مستودعًا لأوجاع العابرين، ولا كانت الرحمة عهدًا بأن نحمل عن الناس أثقالهم حتى ننحني تحتها. غير أن بعض القلوب، من فرط رقتها، لا تعرف أين تنتهي مسؤوليتها وتبدأ مسؤولية الآخرين؛ فتأخذ من أحزانهم نصيبًا لم يُطلب منها، وتظل تحمل ما كان ينبغي أن تضعه عند بابه وتمضي.
تبدأ الحكاية بشعور نبيل؛ حزنٌ لأجل حزين، وقلقٌ على قلق، ويدٌ تمتد حيث ظن صاحبها أن النجدة واجبة. ثم تتسع الدائرة قليلًا قليلًا، حتى يصبح وجع الآخرين جزءًا من يومه، ومشكلاتهم شأنًا يعنيه، ونجاتهم مهمة لا يحق له أن يتخلى عنها. ويصبح قلبه مشغولًا بما يحدث للآخرين أكثر مما هو مشغول بما يحدث فيه هو.
وحين يفرغ الناس من حكاياتهم، لا يفرغ هو منها بالضرورة.
تبقى الكلمات عالقة في ذاكرته، والوجوه التي رآها مكسورة تمرّ أمامه في لحظات السكون، وكأن أبواب الآخرين لا تُغلق حين يبتعد عنها. وقد يصل به الأمر إلى الشعور بالذنب لمجرد أنه ضحك، أو ارتاح، أو مضى في يومه بينما هناك من لا يزال يتألم.
وهنا يقع التحول الخفي: من إنسانٍ يتعاطف، إلى إنسانٍ يريد أن ينقذ.
فهو لا يكتفي بأن يحزن لأجلهم؛ يريد أن يغيّر نهاياتهم. يبحث عن الحلول، ويتدخل قبل أن يُطلب منه التدخل، ويحاول أن يرمم ما انكسر، وأن يمنع الخسارة قبل وقوعها، وأن يحمل عن الآخرين حتى ما كان ينبغي لهم أن يحملوه بأنفسهم.
والذي اعتاد أن يرى نفسه مسؤولًا عن ترميم الآخرين، قد ينسى أن بعض الشقوق لا تُرمَّم بالأيدي، وأن بعض الطرق لا يجوز لأحد أن يمشيها نيابةً عن صاحبها. فكم من إنسانٍ ظن أن الحب يقتضي أن ينقذ من يحب، ثم اكتشف متأخرًا أن يده التي امتدت للنجدة كانت تمسك بحياة ليست له.
والأشد خفاءً من ذلك كله أن انشغالنا بإصلاح حياة الآخرين قد يكون، أحيانًا، أهدأ الحيل التي نهرب بها من مواجهة حياتنا. فالآخرون يمنحوننا مشكلات واضحة: أزمة نحلها، وحزنًا نواسيه، وطريقًا نحاول أن نُعيد صاحبه إليه. أما أنفسنا، فأسئلتها أكثر غموضًا، وأبوابها التي نؤجل طرقها لا يطرقها أحد بالنيابة عنا.
فهل كان الدافع حبًا خالصًا؟ أم أن حاجتنا إلى أن نكون ضروريين جعلتنا نتشبث بدور المنقذ؟
ربما لا تكون الرحمة في أن نحمل الناس على ظهورنا، ولا المحبة في أن نعيش بالنيابة عنهم. ربما تكون الرحمة الأعمق أن نعرف متى نمد اليد، ومتى نترك للآخر أن يقف وحده؛ أن نكون إلى جواره دون أن نصادر تجربته، وأن نحبه دون أن نجعل خلاصه مسؤوليتنا الوحيدة.
ثمّة فرق بين أن تمد يدك لغريق، وبين أن تنزل معه إلى القاع.
فكم مرة حملنا أوجاع الآخرين لأننا أحببناهم، وكم مرة حملناها لأننا لم نعرف كيف نضع أيدينا على وجعنا نحن؟
وهل كان كل من حاولنا إنقاذه يحتاج فعلًا إلى نجاتنا، أم أن في داخلنا شيئًا كان ينتظر، هو الآخر، أن يُنقَذ؟