رأي

خماسية وقدها سداسي!!

فيما ارى

عادل الباز

1.

العالم الذي جاء لمساعدة السودانيين على التوحد، وجد نفسه قد تفرق شذرًا مذرًا بسببهم! يثير العجب حال السودانيين، فالخلاف لديهم هو الأصل، وقد امتدت عدوى انقساماتهم لتشمل المنظمات والدول والجماعات السياسية، من «الرباعية» إلى «الخماسية»، وحتى اجتماعات «ويلتون بارك» في لندن (22-24 يوليو 2026) التي غرقت في نقاشات نظرية حول «مستقبل الحكم» وأنظمة الإدارة، في وقت كانت فيه المدافع هي الصوت الوحيد المسموع في سهول كردفان. واجهت هذه اللقاءات انتقادات حادة بسبب ما وُصف بتغييب السيادة الوطنية، ومحاولة هندسة واقع سياسي جديد بعيداً عن توافق القوى الفاعلة على الأرض. وبينما تتنقل الوفود بين العواصم وتغرق في جدليات التشكيل والتمثيل، يدفع المواطن السوداني الثمن الأبهظ؛ حيث تحول السودان إلى مسرح لأكبر صراع إقليمي و أزمة نزوح . هذا الانفصام النكد بين ضجيج القاعات وأنين المخيمات يعكس فشلاً أخلاقياً سياسيا وأخلاقيا للمجتمع الدولي.

رغم الجهود المكثفة والاجتماعات المستمرة، فشلت «الرباعية» بسبب الموقف القوي الذي اتخذه السودان برفض أي وساطة تشمل دولاً تدعم طرفاً في النزاع. سادت حالة من انعدام الثقة في خطة الرباعية التي قادتها الإمارات من وراء الستار، في وقت كانت تقدم فيه دعمًا سخيًا للمليشيا. تضارب مصالح الدول الأربع خلق خلافاً عميقاً في رؤيتها للسودان؛ فبينما أصرت مصر والسعودية على ضرورة حكم المؤسسات للدولة لا الميليشيات، عجزت الآلية عن توحيد الرؤى أو ممارسة ضغط متوازن. وهكذا، تحولت الرباعية من آلية كان يُعوَّل عليها لوقف القتال إلى إطار سياسي محدود التأثير، بينما استمرت الحرب في فرض وقائع جديدة على الأرض متجاوزةً إيقاع الدبلوماسية.

2.

أما المبادرة الخماسية، التي ضمت كلاً ، الأمم المتحدة الاتحاد الأفريقي، الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، جامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي فكانت أكثر تعقيدًا وتشعبًا، لتعكس حالة التخبط الدبلوماسي. ، وقصتها أغرب. عقدت اجتماعات تشاورية في أديس أبابا (3-5 يونيو 2026)، ودعت طيفاً من الأحزاب والقوى السياسية وبعض الوجوه ومنظمات المجتمع المدني لمناقشة تشكيل لجنة تحضيرية للحوار الوطني، لكنها لم تحقق اختراقاً حقيقياً.

كانت الآلية كحاطب ليل حيث ضمت القوى المؤثرة إلى جانب أطراف أخرى لا وزن لها في سلة واحدة. ورغم إعلانها عن جمع مقترحات مكتوبة ووضع أساس للجنة تحضيرية لحوار سوداني-سوداني أوسع، إلا أنها أقرت بعمق الخلافات وبأن المشاورات ستستمر. وفي النهاية، عجزت عن إنتاج توافق بين قوى تختلف حول قضايا جوهرية، مثل شرعية المؤسسات، وهوية المشاركين، وترتيب أولويات وقف الحرب والانتقال السياسي. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، بقيت المخرجات أقرب إلى مشاورات تمهيدية.

بدأت التعقيدات من قائمة المدعوين؛ إذ اعترضت بعض القوى على دعوة أطراف جديدة، لتدخل القوى السياسية السودانية الاجتماعات منقسمة بتحالفات ذات رؤى متضاربة حول الحرب والشرعية وشكل المرحلة الانتقالية، فلم تتفق على أجندة واحدة. اتهمت بعض القوى الآلية بالانحياز أو محاولة فرض تصور دولي، بينما انتقدت أخرى غياب الحسم. بل إن الجدل حول إشراك الإسلاميين أدى إلى تهديدات بالانسحاب، حتى توصلت لجنة إلى «حيلة عجيبة» باستبعاد «المؤتمر الوطني» و«تأسيس» من أي حوار سياسي، رغم أن «تاسيس لم تكن أصلًا ضمن المدعوين، في محاولة للإقصاء تكرر نهجاً سابقاً لن يحقق استقراراً (سنعود لذلك في مقال منفصل).

3.

هكذا طُويت صفحات الرباعية والخماسية كما طُويت قبلها صفحة «إعلان جدة»؛ بسبب انحيازات المجتمع الدولي وعجزه عن فرض عقوبات جادة على المليشيا، بل وتردده في تصنيفها كـ«مليشيا إرهابية»، في حين وصمت قوى سياسية أخرى بذلك دون تهم حقيقية. فشل المجتمع الدولي في وقف دعم الإمارات للمليشيا بالمال والسلاح، كما فشل في الضغط على دول الجوار التي تفتح حدودها لمعسكرات التدريب، أو تلك التي تحول بعضها إلى ممرات ترانزيت للسلاح والدعم اللوجستي للمليشيا، بينما وقفت أخرى موقف المتفرج أو المستفيد من حالة السيولة الأمنية. إن تضارب الأجندات الإقليمية، ما بين باحث عن نفوذ جيوسياسي أو طامع في موارد السودان، جعل من الحدود السودانية ثقوباً سوداء تستنزف سيادة الدولة وتطيل أمد الحرب. لقد انتهت مسرحيات المؤتمرات في أكثر من عشر عواصم إلى لا شيء؛ مجرد رماد رغم الضجيج والأموال المنفقة، لأن المجتمع الدولي – مع الأسف – لا ينشد السلام بقدر ما يركب قطار التضليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى