رأي

بين “المرحاكة” وتذاكر الطيران الخيالية.. معاناة حاج سوداني

الصادق البديري

بعد سنوات من الانتظار والدموع والابتهالات في الصلوات، ابتسمت السماء أخيراً لأحد الحجاج السودانيين، ويسرت له تأشيرة الحج هذا العام، ليدخل بذلك موسوعة “الصابرين على كرم الله”.
وبكل حماسة منقطعة النظير، شرع في تجهيز حقيبته التي بدت وكأنها تجهيز عتاد لاستعمار الحجاز وليس لأداء مناسك الحج.
وحرصاً منه على ألا يشغله شيء عن الطاعات، حزم ضمن حقائبه “الشرموط” و”الويكة” ولم ينس أن يضيف إليهما “المر الحجازي” و”الدكوة” والبصل المحمر، وقزازة سمن ضخمة تكفي لأربعين يوماً من الطبخ الروحاني.
كما لم ينسَ حاجُنا “المرحاكة” (حجر الرحى) والبرمة العتيقة، عله يطحن ذنوب السنين قبل أن يرمي الجمرات!
وبينما كان ذلك الحاج يحلم بالطواف، أصرت شركات الطيران السودانية أن تنغص عليه هذا الحلم، إذ فوجئ بأن ساعة طيران واحدة من بورتسودان إلى جدة تساوي “أكثر من 1200 دولار”.
وفي المقابل، ينام المسافر من الدوحة إلى جدة (3 ساعات كاملة) على كرسيه الوثير ويدفع حوالي 350 دولاراً، بينما يدفع القادم من بروكسل إلى كازابلانكا على تذكرة قيمتها من 150 إلى 200 دولار فقط! وكأن الطائرة حين تطير من السودان تستهلك وقوداً ذهبياً من كوكب آخر.
وانفطر قلب ذلك الحاج حين عرف أن الراكبة الجالسة بجواره – وهي مقيمة عتيقة في السعودية – دفعت أقل من 500 دولار على نفس الطائرة، ونفس وجبة الدجاج، ونفس الكابتن الذي لم يغير مساره.
أي منطق هذا؟ هل الفارق هو أن تلك المقيمة تحمل معها قزازة سمن، بينما خصم لجارها في المقعد 700 دولار لأنها مقيمة قديمة في السعودية؟
في أزمنة الحرب والقتل وظروف المعاناة التي يعيشها السودان، كان المتوقع أن تمد شركات الطيران يد العون، لكنها آثرت أن تكون “قدوة حسنة” في الالتفاف على منطق الأسعار.
فالحاج السوداني يدفع ضعف المسافر الأوروبي، وثلاثة أضعاف الخليجي، متسلحاً فقط بـ “الدكوة” والدعاء بأن يوصله الطيران إلى “سوح المدينة” ليتمتع بزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويكمل حجه في أم القرى المكرمة قبل أن تحرمه الشيخوخة القدرة على تحقيق هذه الأماني الغوالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى