أسامه عبد الماجد يكتب:
أرجو ألا يخلط البعض بين “البوكس دبل كاب” الذي ظهر الرئيس البرهان وهو يقوده.. وبين الأسطول الذي أتحدث عنه.. قاد الرئيس “بوكس” وقام بتوصيل تلاميذ مرحلة الأساس ولا أعلم إلى أين كانت وجهته.. أو لماذا اصطحب معه التلاميذ. المهم ان الأسطول المقصود هنا السيارات التي أهدها البرهان للشركة السودانية لتوزيع الكهرباء لتستخدم في أعمال الطوارئ والخدمات الميدانية،. خاصة وأن الشركة – بحسب مديرها العام منتصر عبد الرحمن – فقدت أكثر من (373) عربة وآلية خلال فترة الحرب.
مع التقدير الكامل لخطوة الرئيس إلا أن المشكلة الحقيقية تتجاوز مسألة السيارات إلى أزمة الكهرباء نفسها.. ففي الشهر الماضي زار البرهان شركة توزيع الكهرباء.. واستمع إلى شرح مفصل من الإدارة حول سير العمل والتحديات التي تواجه القطاع ولعل من بينها أزمة المركبات.. وكنت قد كتبت في هذه المساحة بتاريخ 10 أبريل تعليقاً على تلك الزيارة.. أشرت فيه إلى أن قطاع الكهرباء شهد تراجعاً ملحوظاً نتيجة الإهمال المستمر منذ فترة حكومة قحت إلى جانب التأخير في صرف مستحقات العاملين.. كما حذرنا حينها من أن الكوادر السودانية المؤهلة التي استثمرت الدولة في تدريبها داخلياً وخارجياً.. أصبحت هدفاً للاستقطاب من دول الخليج عبر عروض مغرية خلال فترة الحرب.
تفاقمت الأزمة نتيجة التركيز الكبير لوزارة الطاقة والنفط على ملف المشتقات البترولية.. على حساب قطاع الكهرباء وصيانة بنيته التحتية الأمر الذي انعكس سلباً على استقرار الخدمة.. مما تسبب في تدهور ملحوظ في خدمات الكهرباء.. وزاد من تعقيد الأوضاع في ولاية الخرطوم وأثر سلباً على عودة المواطنين.. ودفع الكثيرين إلى اللجوء إلى حلول بديلة مثل الاعتماد على الطاقة الشمسية.. في ظل غياب شبه تام لرئيس الوزراء عن متابعة ما يجري داخل الوزارة المدمجة.
اقترحنا ثلاثة حلول لمعالجة هذا الملف يتمثل الأول في إعادة وزارة الكهرباء.. نظراً لأهميتها الاستراتيجية وارتباطها المباشر بالأمن القومي.. وفي حال تعذر ذلك يمكن تحويل قطاع الكهرباء إلى هيئة مستقلة تتبع مباشرة لرئيس الوزراء.. أما الحل الثالث فيكمن في تعيين وكيل وزارة من أصحاب الخبرة والكفاءة من ابناء قطاع الكهرباء.. بما يسهم في تحقيق التوازن داخل الوزارة خاصة أن المنصب كان شاغراً عن كتابة المقال.. وقد استمرأت الحكومة تعيين قيادات من قطاع النفط في مناصب وزير ووكيل وزارة.. بل إن الوزير السابق محي الدين نعيم جمع بين المنصبين وهو ما يعكس حالة من الارتباك الإداري التي نادراً ما نراها بهذا الشكل.
حسناً.. ماذا فعلت الحكومة التي تبرع في “دس المحافير” ؟.. قام رئيس الوزراء بتعيين وكيل جديد لوزارة النفط في منتصف الشهر الماضي من خبراء النفط لا الكهرباء.. وقد وقع الاختيار على المهندس علي عبد الرحمن الذي يعتبر من أبرز الكفاءات في قطاع الطاقة بالسودان.. ويتمتع بخبرة تمتد لأكثر من أربعين عاماً في مجال النفط.. شملت التكرير وإدارة المشاريع وتولي مناصب قيادية وإدارية.. إضافة إلى خبرته في هندسة عمليات التكرير وصيانة المصافي داخل السودان وخارجه. ويتوقع أن يسهم تعيينه في تطوير أداء الوزارة في شق النفط.
لكن ماذا عن قطاع الكهرباء؟ فالوزير المعتصم هو الآخر في النهاية ابن قطاع النفط.. ومهما بلغت جهوده مع الوكيل – الذي تفقد الكهرباء أمس – سيظل الميل والاهتمام لديهما غالباً باتجاه النفط.. خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد من آثار الحرب وتعطل المصافي، وتضرر البنية التحتية.. وبالتالي استقلالية الكهرباء مهم خلال المرحلة المقبلة – اياً كانت الكيفية – وهو إجراء لن يضيف أعباء تذكر بل على العكس سيفتح المجال أمام فريق متخصص لقطاع الكهرباء ليعمل بكفاءة وإبداع وبحرية أكبر.. خصوصاً أن هذا القطاع يضم خبرات كبيرة يمكن الاستفادة منها بشكل أفضل ضمن إطار مستقل.
بدون عودة الكهرباء للمصانع في العاصمة والمنازل لن تستعيد الخرطوم نبضها وستظل كل الجهود حرث في البحر.. “يا حليل لجنة إبراهيم جابر”.. استقلالية قطاع الكهرباء ضرورة ستسهم في تحسين المتابعة من قبل رئيس الوزراء وضبط الأداء بشكل أفضل.. كما ستساعد في تحويله من قطاع ذي طابع ربحي إلى قطاع خدمي فاعل.
ومهما يكن من أمر.. إن استمرار إهمال الحكومة لقطاع الكهرباء سيؤدي بعد فترة إلى فقدان المواطن القدرة على الحصول على كهرباء تكفي لشحن هاتفه.. ولن يتمكن من متابعة مقاطع الفيديو حتى التي يظهر فيها الرئيس وهو يقود “بوكس”.