عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم
تمتلئ الحياة السياسية بالوثائق التي تُحسن مخاطبة الضمير العام؛ ترفع رايات السلام والعدالة والديمقراطية، وتستدعي أشواق الشعوب إلى الخلاص والاستقرار وبناء المستقبل. غير أن المعنى الحقيقي لأي ميثاق يتكشف بعيدًا عن فخامة الشعارات وحرارة اللغة الأخلاقية التي يتزيّن بها؛ هناك داخل بنيته العميقة، حيث تظهر التصورات الكامنة عن الدولة والسلطة والمجتمع وكيفية إدارة العلاقة بينها. فالكلمات الكبرى—كالسلام والمواطنة والوطن الجديد—تملك دائمًا قدرةً على استدعاء الإجماع العاطفي؛ غير أن الاختبار الحقيقي يظهر عند البدء في ترجمتها إلى قواعد حكم وتعريفات للشرعية وحدودٍ للمشاركة ومن يملك حق تعريف الوطن وتحديد شروط المستقبل باسمه.
ومن هذه الزاوية، يستحق “ميثاق قوى إعلان المبادئ السوداني” قراءةً تتجاوز ردود الفعل السريعة ومواقف التأييد أو الرفض المباشر؛ لا لأنه مجرد بيان سياسي جديد، وإنما لأنه يقدّم نفسه بوصفه مشروعًا لتأسيس مستقبل السودان وإعادة بناء الدولة بعد الحرب. والوثائق التي تطمح إلى هذا المقام لا تُقرأ بمنطق البيانات السياسية العابرة، لأنها تلامس مساحة العقد الاجتماعي الذي يُفترض أن يتسع لوطنٍ كامل لا لمعسكرٍ سياسي وحده.
وللوهلة الأولى، يبدو الميثاق مشبعًا بلغةٍ تستدعي كثيرًا من الأشواق السودانية المؤجلة؛ إيقاف الحرب، حماية المدنيين، السلام العادل، العدالة الانتقالية، المواطنة المتساوية، التنمية المتوازنة، الدولة المدنية، ومحاربة خطاب الكراهية والعنصرية. وهي أهداف يجد كثير من السودانيين مشروعيتها الأخلاقية والسياسية، وربما يرون فيها امتدادًا لحلمٍ وطني ظل يتكرر منذ الاستقلال. غير أن الإشكال في مثل هذه الوثائق لا يبدأ من العناوين الكبرى، وإنما من السؤال الأصعب:
هل نحن أمام ميثاق وطني جامع، أم أمام برنامج سياسي لتحالفٍ محدد يقترب من موقع التأسيس الوطني ويطرح رؤيته في صورة مشروع للدولة؟
فهنا تظهر أولى الإشكالات البنيوية في النص. فالميثاق يستخدم مفردات العقد الاجتماعي الشامل، ويتحدث عن “وطن جديد” و”ثوابت دائمة” و”مبادئ ملزمة” تسري على أي دستور مستقبلي، لكنه في الوقت نفسه يصدر عن قوى سياسية بعينها تحمل تصورات محددة عن التاريخ والسلطة والخصوم السياسيين ومآلات الانتقال.
وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا:
من يملك سلطة تعريف ما هو ثابت وملزم لكل السودانيين؟ وهل يجوز سياسيًا ودستوريًا أن تتحول رؤية مجموعة أو تحالف—مهما اتسع أو حسنت نواياه—إلى مبادئ فوق دستورية لا تُراجع لاحقًا؟
فحق المجتمعات في مراجعة عقودها السياسية ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل جزء من فلسفة الدستور ذاته؛ لذلك تستدعي فكرة المبادئ المغلقة سؤال الشرعية قبل سؤال المحتوى.
وتبرز إشكالية ثانية لا تقل أهمية في التوتر القائم داخل الوثيقة بين لغة التعدد والمواطنة من جهة، ولغة الإقصاء السياسي من جهة أخرى. فالوثيقة تؤكد رفض التمييز وتعترف بالتنوع وتدعو لدولة المواطنة المتساوية، لكنها تتبنى في الوقت نفسه حظر المؤتمر الوطني وواجهاته ومنع إعادة تسجيله وإغلاق الطريق نهائيًا أمام عودته.
ولا يتعلق النقاش هنا بتقييم المؤتمر الوطني أو تاريخ الحركة الإسلامية أو مسؤولياتها السياسية، فذلك باب يخضع للنقد والمحاسبة والعدالة. لكن السؤال المبدئي يظل حاضرًا:
هل يستقيم بناء الديمقراطية مع تحويل المنع السياسي إلى أصلٍ تأسيسي دائم؟ وهل يكفي تحميل تيارٍ ما مسؤولية مرحلة أو أزمة كي يصبح الإقصاء جزءًا من تعريف الدولة نفسها؟
فالتجارب السياسية تُظهر أن الحظر قد يحقق انتصارًا مرحليًا، لكنه لا يضمن بالضرورة استقرارًا ديمقراطيًا طويل الأجل، لأن الصراعات المؤجلة كثيرًا ما تعود بأسماء وأشكال جديدة.
ويبرز في الميثاق كذلك تصورٌ محدد للحرب السودانية الراهنة، إذ تُقدَّم باعتبارها مؤامرةً على ثورة ديسمبر وعلى مستقبل السودان. ولا شك أن الحرب حملت بالفعل أبعادًا إقليمية وتدخلات خارجية واستثمارات سياسية معقدة، وأن الثورة السودانية كانت من ضحاياها الكبار. لكن اختزال الحرب في تفسيرٍ أحادي يظل قراءةً ناقصة لطبيعة الأزمة السودانية نفسها.
فالحرب الحالية حصيلة أزمة دولة ممتدة، وتشوهات في المنظومة الأمنية، وصراعات نخبوية متراكمة، واختلالات في توزيع السلطة والثروة، وتاريخ طويل من إدارة السياسة بالعنف أو تحت ظلاله. ولهذا قد تنجح السردية الواحدة في حشد الأنصار، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سلامٍ مستدام أو لفهمٍ متوازن لجذور المأساة.
وتزداد الأسئلة تعقيدًا عند النظر إلى مقاربة الميثاق للمنظومة العسكرية والأمنية. فالوثيقة تدعو إلى سلطة مدنية كاملة دون مشاركة العسكريين، وإلى بناء جيش بعقيدة جديدة يعكس التنوع السوداني ويبتعد عن السياسة والاقتصاد والولاءات الأيديولوجية. وهي أهداف تبدو منسجمة مع الأدبيات الديمقراطية الحديثة، غير أن السؤال الواقعي يظل حاضرًا:
كيف يُدار انتقال مدني كامل في دولة ما تزال تخوض حربًا مفتوحة وتواجه هشاشة أمنية عميقة وتحديات إعادة بناء مؤسساتها المسلحة؟
وهذا ليس دفاعًا عن عسكرة السياسة أو عن الشراكات المختلة، وإنما تذكير بأن إدارة الدولة لا تقوم على المثال النظري وحده، وأن الانتقالات الناجحة تُقاس بقدرتها على عبور الواقع القائم نحو المستقبل الممكن.
وهنا تبلغ الوثيقة إحدى مفارقاتها الأساسية.
فهي تتحدث كثيرًا عن السلام والمصالحة والتنوع ورفض الكراهية، بينما تستخدم في مواضع أخرى لغة المواجهة والتفكيك والإغلاق النهائي؛ وكأن النص يتحرك بين منطقين في آنٍ واحد:
بناء وطنٍ يتسع للجميع، وإدارة صراع يسعى إلى حسم المجال السياسي لصالح رؤية بعينها.
وهذه ليست مفارقة هذا الميثاق وحده، بل صدى لمعضلةٍ ظلت تتكرر في التجربة السودانية؛ فقد عرف السودان وفرةً في المواثيق والرؤى والمشروعات السياسية، بينما ظل الخلاف يتجدد حول سؤالٍ أعمق: من يملك حق تعريف الوطن، ورسم حدوده الرمزية والسياسية، والتحدث باسمه؟
ومن هنا يظل السؤال الحقيقي أبعد من تقييم النوايا أو جمال اللغة السياسية:
هل يفتح هذا الميثاق مساحةً لعقد اجتماعي يتسع لاختلافات السودانيين حول التاريخ والسياسة والهوية وموقع الدولة والدين، أم أنه يقترب—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—من وثيقة اصطفاف تستخدم لغة الوطن أكثر مما تُنتج شروطه؟
والسودان، بعد هذا القدر من الدم والخراب والانقسام، لم يعد يحتمل رفاهية إنتاج مواثيق تُقاس قيمتها بحجم التصفيق أو الخصومة حولها، بقدر ما يحتاج إلى مشروعٍ قادر على تحويل الاختلاف من وقودٍ للحرب إلى مادةٍ للتعايش السياسي والتوافق الوطني.
فالسودان لا تنقصه المواثيق؛ فقد عبر تاريخًا مزدحمًا بالنصوص والعهود والاتفاقات، بينما ظل الاستقرار أقل حضورًا من الكلمات التي كُتبت باسمه. وما يحتاجه اليوم هو شجاعةٌ جديدة في التفكير خارج ميراث الغلبة السياسية، وقدرةٌ أعمق على إدارة الاختلاف بوصفه حقيقةً وطنية لا أزمةً عابرة. فالنصوص تُختبر بأعمارها في الواقع، وبالمساحات التي تفتحها للتعايش، وبقدرتها على تحويل التباين إلى إطارٍ للاجتماع الوطني لا إلى وقودٍ لصراعٍ جديد. والميثاق الذي يكتب عمره في وجدان الأوطان هو ذلك الذي يجد فيه المختلفون مكانًا تحت سقفٍ سياسي واحد، ويصون قدرتهم على البقاء وطنًا رغم تباين الرؤى والذاكرات السياسية والمواقف.