عصماء عاصم
لم يعد الإنسان يركض خلف الزمن؛ بل غدا الزمن يركض في داخله، حتى أثقل أنفاسه، واستوطن هواجسه، وأملى على قلبه إيقاعًا لا يعرف السكون. ومنذ أن صار السباق فضيلة، والبطء تهمة، لم يعد المرء يخشى ضياع يومه، بقدر ما يخشى أن يسبقه غيره إليه.
نستيقظ على هاجس اللحاق، ونغادر بيوتنا على هاجس الإنجاز، ونعود في المساء محمّلين بهاجس التقصير. حتى إن الإنسان لم يعد يسأل نفسه: هل أنا سعيد؟ بل صار يسأل: هل أنجزت ما يكفي؟ وكأن قيمة العمر لم تعد بما امتلأ به من حياة، وإنما بما امتلأ به من أعمال.
ولعل أكثر ما يستوقفني في هذا الزمن أن الناس صاروا يركضون حتى في المواطن التي لا تستدعي الركض. رأيت يومًا رجلًا يسرع في عبور الطريق، يكاد يسبق ظله، فلما بلغ الجهة الأخرى وقف طويلًا ينتظر. أدركت حينها أن كثيرًا من استعجالنا ليس لأن الوقت يضيق بنا، بل لأن العجلة استوطنت طباعنا حتى غدت عادة لا شعورًا.
وأذكر أنني قرأت يومًا لكاتبٍ يأسف لأن الإنسان المعاصر أتقن إدارة وقته، ولم يتقن إدارة نفسه. وظلت تلك الفكرة ترافقني كلما تأملت وجوه المارة؛ وجوهٌ يعلوها الإرهاق أكثر مما يعلوها العمر، وأعينٌ تنظر إلى الشاشات أكثر مما تنظر إلى السماء، وأيدٍ لا تكاد تفارق الهواتف، كأنها تخشى أن يفوتها شيء، بينما يفوتها كل شيء.
لقد قرّبت الحضارة المسافات بين المدن، لكنها لم تنجح دائمًا في تقريب المسافات بين القلوب. نعرف أخبار البعيد في لحظتها، وربما نجهل ما يثقل صدر القريب الذي يجلس إلى جوارنا. نجالس أبناءنا بأجسادنا، بينما عقولنا معلقة بإشعار لم يصل بعد، أو رسالة لم تُقرأ بعد، أو موعدٍ لم يأتِ بعد. وما أقسى أن يعيش الإنسان عمره مؤجلًا إلى “بعد قليل”.
ولست أرى في السرعة عيبًا، ولا في التقدم خصمًا؛ فالحضارة ثمرة العقل البشري، والإنجاز ضرورة لا يستغني عنها أحد. غير أن كل نعمة إذا تجاوزت حدها انقلبت على صاحبها. والخطر ليس أن نُسرع في أعمالنا، بل أن تستعجل أرواحنا الحياة حتى تعجز عن تذوقها.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا، كلما انتهى يوم من أعمارنا، ليس: كم أنجزنا؟ بل: كم عشنا؟ فالحياة لا تُقاس بما قطعناه من مسافات، بل بما تركته تلك المسافات في أرواحنا.
وليس الزمن هو الذي يسرق أعمارنا، بل ما نسلمه له من أرواحنا.