بروفيسور/ عبده مختار
ثلاثون عاماً من الحكم، وثلاثة من الحـرب والنتيجة: هلاك ودمار وتشـريد وتضليل.
واضح أن الإسلامويين في السودان بعد أن رفضهم الشعب في ثورة، خططوا ليعودوا إلى عقل وقلب الشعب من مدخل آخر. فقد وظفوا “سايكولوجية التحكم في العقول”، واستغلوا العاطفة الدينية لدغدغة الوجدان الإيماني في نفوس البسطاء، واستخدموا لغة تتلاعب بوجدان الشعب من تلك الزاوية.
وعملوا على تكثيف رسائل معينة لتحقيق عملية “غسيل المخ” مقرونة بحرب نفسية تتمثل في “شيطنة” الآخر، وزرع الشك والإحباط من عدم قدرة البديل على أن يكون أفضل منهم، مع التعتيم على فكرة أنه لا يوجد خيار ثالث. وعندما اندلعت الحرب أيضاً وظفوها في ذات الاتجاه، بل دعمت اتجاههم هذا.
لاستراتيجية التضليل أساليب وأدوات كثيرة. في هذا المقال سوف أكشف كثيراً منها ليعرف الشعب السوداني كيف أنه وقع في تضليل مستمر من الحركة الإسلاموية طيلة فترة حكمها وحتى الآن. منذ انقلاب الفريق أول البرهان على ثورة الشعب في 25 أكتوبر 2021، ظلت الحركة الإسلاموية تعمل باستمرار على إغراق الرأي العام في نتائج الأزمات التي صنعتها.
فمنذ أن استولت على الحكم بالقوة في 30/6/1989 تراكمت هذه الأزمات حتى أدخلت السودان في نفق مظلم ومأزق تاريخي.
مثلاً، دعونا ننظر في بعض مفردات خطابها منذ الحرب (2023) وحتى الآن: “هذه الحرب قادتها مليشيا الدعم السريع المتمردة”، “إنها مؤامرة دولية”، “السودان يتعرض لتدخل أجنبي”، “المليشيا مدعومة من الخارج”، “إنها حرب عبثية”.
إن التفكير العلمي والمنطقي السليم يقول: إن الحل الصحيح لأي أزمة هو مخاطبة “جذور” الأزمة، و”الأسباب” الجوهرية للمشكلة، وليس إغراق عقول الناس في “النتائج”.
نعم، صحيح كلامكم: هذه الحرب مع “مليشيا”، ونعم إنها حرب “عبثية”، وفيها “تدخل خارجي” ودعم أجنبي. لكن السؤال الجوهري الذي تحاول الحكومة الإسلاموية/العسكرية التهرب منه، وتحاول تغييب الناس عن التفكير فيه هو: من الذي صنع كل هذه الأزمات وأوصلنا إلى هذا الوضع الكارثي؟
ومن البديهي أن الذي صنع الأزمة لو تنحى جانباً فإن الأزمة لن يبقى لها وجود. لكنك أنت صانع الأزمات وتصر على الاستمرار في إنتاج المزيد منها.
أنت تصرخ: “هذه مليشيا”. نعم. لكن من الذي صنعها؟ ولماذا صنعتها؟ ولماذا لم توجه تكلفة صناعة المليشيا إلى الجيش لتقويته مادياً وتسليحياً ولوجستياً ليتصدى للدفاع عن السودان بمهنية ووطنية محايدة، بدلاً من أدلجته وتسييسه واستتباعه لتنظيمك من حيث الولاء ومن حيث القرار؟
ثم إنكم، أيها الإسلامويون، أضعفتم الجيش وأغرقتموه في التجارة والاقتصاد، واهتممتم بصناعة المليشيات. وفيما بعد دفع الجيش الثمن وليس الشعب وحده. مات أولادنا في الجيش بسبب طموحاتكم غير المشروعة وصراعاتكم حول السلطة بغير وجه حق. لو تركتم الحال في السودان يسير بنظام التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات، لما اندلعت الحروب ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
إن كانت الأحزاب ضعيفة أو أخطأت فكل ذلك مقدور عليه بالتصحيح والتطوير. فإصلاح الأحزاب ممكن، ولي رؤية متكاملة في ذلك. كما أن الوعي متزايد وسط الشعب بظروف الحداثة وأدوات العولمة. ومن مؤشرات ارتفاع الوعي أن الشباب الذي قاد هذه الثورة وما جاء به من أدبيات وتفاعل في بوتقة وعي وطني جديد هو بداية لثقافة سياسية تشكل ركيزة لممارسة سياسية رشيدة وديمقراطية مستدامة.
وهكذا تتطور الأمم وتستقر أنظمتها السياسية، وليس بالقوة والبندقية والبطش والقتل والظلم والفساد. ماذا تتوقع أن تجني من مثل هذا النهج؟ هذا هو الحصاد الذي وصلنا إليه الآن. كل الدول استقرت لأنها اتبعت الطريق القويم والنهج السليم.
لقد امتطت الحركة الإسلاموية صهوة الجيش واستولت به على السلطة، ثم أقحمته في حروب داخلية ضد شعبه. لماذا صنعتم هذه المليشيات؟ لقد صنعتموها لحماية حكم غير الشرعي أصلاً، والفاسد المستبد الفاشل. وهذا خطأ استراتيجي مزدوج، لأنك أصلاً سيطرت على الحكم بدون شرعية، بانقلاب عسكري على حكومة منتخبة ديمقراطياً من الشعب. وفقدان الشرعية نفسه واحدة من أزمات أي حكم لا يصل إلى السلطة بإرادة الشعب ورضاه عبر الانتخابات.
ظل خطابكم يردد: “إن هذا الدعم السريع مليشيا”…
أنت عندما أسسته اعتقلت كل من قال إنه مليشيا أو انتقد تشكيلها، بما في ذلك اعتقال الإمام الصادق المهدي (الرئيس الشرعي للسودان قبل انقلابكم عليه عام 1989). لقد تماديتم في إغراق عقل الشعب في النتائج بينما بدأتم منذ بداية التسعينات في غرس بذور الأزمات، وكان أولها صناعة المليشيات. فحكومة الحركة الإسلاموية أسست ودعمت مليشيات وأجهزة موازية لحماية النظام، من أمثلتها:
– أجهزة شبه عسكرية موازية للجيش (Paramilitary): الدفاع الشعبي الذي تأسس في عام 1989، وهي مليشيا عملت تحت مظلة “الجهاد”.
– الشرطة الشعبية: تشكلت في عام 1992 وكانت لها صلاحيات واسعة في الاعتقال.
– الأمن الطلابي: فرع أمني داخل الجامعات تابع لجهاز الأمن، كان دوره متابعة النشاط السياسي وقمع الاحتجاجات. (أنا أستاذ جامعي، وما فعلتموه في الجامعات يحتاج لمقال مستقل(.
– مليشيات/كتائب سرية: مثل (كتائب الظل) التابعة لجهاز الأمن والمخابرات. تحدث عنها نائب البشير، علي عثمان محمد طه، في مقطع فيديو معترفاً بأن مهمتها القتل، وقالها بالإنجليزية: (Shoot to kill). أي “أننا جئنا بالقوة، ومستمرون نحكم بالقوة، ومن يعترض نقتله”.
– ثم الجنجويد وحرس الحدود وصولاً إلى الدعم السريع.
وهكذا ظللتم تصنعون المليشيات لتحميكم حتى وصلتم إلى “حميدتي حمايتي”. وعلى طول سنوات حكمكم استمر القتل لقمع أي معارض وأي مظاهرات ضدكم.
قال الله تعالى: `{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}` – النساء: 93. وهي أشد آيات القرآن وعيداً لقتل النفس عمداً. وأحد قياداتكم يقول (Shoot to kill) بكل بساطة!!. من الذي أعطاك الحق في القتل وأنت أصلاً موجود في السلطة بغير وجه حق؟ السلطة سلطة الشعب، فهل منحكم الشعب هذه السلطة أم سيطرتم عليها بالقوة في انقلاب عسكري؟
`}مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}` – المائدة: 32.
أما القول بأن هذه الحرب “تمرد قادته مليشيا ضد الدولة، وأن فيها تدخلاً خارجياً أو دولياً”… فهذا كله صحيح ومعروف. لكن أين الحقيقة؟
الحقيقة هي أنكم صنعتم هذه المليشيا، والحقيقة الجوهرية هي أنكم صنعتم معها الأزمات التي أوصلتنا لهذا الوضع الكارثي. لكنكم لا تريدون للشعب أن يتذكر من أوصله إلى هذا الدرك السحيق. ولتحقيق هذا “التغييب الممنهج” في الوعي الجمعي، اتبعتم استراتيجية التضليل والإغراق في النتائج جئتم بشعارات إسلامية ووعدتم الشعب بأنكم ستطبقون الشريعة و”المشروع الحضاري”. لكن أعمالكم في الواقع أثبتت عكس ذلك تماماً، كانت ضد الإسلام وقيمه.
فجانب من جوهر الأزمات التي صنعتموها هو أنكم بدأتم بالإقصاء من الخدمة المدنية وغير المدنية. فمنذ استيلائكم على الحكم بالانقلاب العسكري فصلتم عشرات الآلاف من العاملين في الدولة. لماذا؟ بأي قانون أو شريعة أو حق فعلتم ذلك؟ أليس فقط لأنهم ليسوا أعضاء في تنظيمكم؟
بل إن أغلب المفصولين تعسفاً وظلماً لا ينتمي لأي حزب سياسي، وحصل على الوظيفة بحكم مؤهلاته وبإجراءات التوظيف المعروفة في أي جهاز بيروقراطي. ثم وضعتم مكانه شخصاً بمعيار الولاء والانتساب لتنظيمكم. ماذا نسمي هذا الفعل غير أنه “ظلم”؟
`}… أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}` – الأعراف: 44.
وقد قالها الترابي في برنامج (شاهد على العصر) بقناة الجزيرة: “تم إحلال الإسلامويين وغير المؤهلين في الخدمة المدنية وطرد الكفاءات الوطنية”… وقال: “الفساد سرى حتى إلى القضاء” (الحلقة 11، 27/6/2016).
بالمنطق البسيط: أليس لكل مواطن الحق في موارد وثروات هذه الدولة؟ فلماذا احتكرتم السلطة والثروات والوظائف والفرص؟ أليس في ذلك ظلم؟ هل هذا الفعل له علاقة بالإسلام الذي تزعمون أنكم تطبقونه؟ في الواقع أنكم كنتم تعملون ضد الإسلام. يكفي انتفاء العدل في حكمكم، وهو من أسمى قيم الإسلام. والله حرم الظلم على نفسه: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا…” (حديث قدسي).
ظلمتم الشعب على مستوى الأفراد والمناطق والأقاليم. وعندما يحتج المظلوم تذهبون وتقتلونه وتسمون ذلك جهاداً؟ بأي شرع وبأي منطق وبأي دين تقتلون الناس هكذا؟ وقد دفنتم الضباط أحياء، وكأنكم تملكون الشرعية. وحتى من يملك الشرعية لا يقتل بدون محاكمة عادلة. أليس فيكم رجل رشيد؟
رفعتم شعارات كثيرة، منها: “لا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء”. بينما لم تعملوا لغير الدنيا. هذا تناقض كبير بين الأقوال والأفعال، بل منتهى النفاق. والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. وفيه جانب “الكذب” حيث خدعتم الناس بشعارات الإسلام بينما المؤمن لا يكذب. وهنا استحققتم لقب “تجار الدين”.
ليس لكم علاقة بالدين، فقد اتسم حكمكم بالبطش والاستبداد والقتل: بدأتم بغرس مسمار في رأس طبيب لم يرفع ضدكم سلاحاً، ثم وصلتم إلى إدخال (خازوق) في دبر معلم. أي نوع من البشر أنتم؟ وقد حق عليكم الوصف “الحركة اللاإسلامية” و”المؤتمر الوثني” و”المؤتمر اللاوطني”.
وقال البشير: “قتلنا عشرة آلاف فقط”، رداً على تقارير دولية قدرت القتلى في دارفور بأكثر من 300 ألف. أولاً: هذا اعتراف. وثانياً: حتى لو شخص واحد، أليس هذا ذنباً؟ أليس مواطن دارفور سودانياً ومسلماً؟ ولماذا قتلته؟ لأنه قال لكم: “ظلمتونا”؟
المدهش أن البشير كان يردد في اللقاءات الجماهيرية الآية (105) من سورة الأنبياء: {… أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}. بينما أنتم الفاسدون، القاتلون، الظالمون. هذا عدا الخطايا والفظائع الأخرى والإفسـاد. وعندما ازداد الفقر بسبب ممارساتكم وفسادكم وازدادت المعاناة الاقتصادية، طلبتم من الشعب الاستغفار. سبحان الله. من الذي يستغفر؟ أنتم أم الشعب؟
بعيداً عن تعتيمكم المستمر على الحقائق، تراكمت أخطاؤكم وخطاياكم حتى أوصلتمونا إلى هذه الحرب. إنها معركة الندامة والخسران المبين، ليس للشعب فيها ناقة ولا جمل. أما آن للبعض المغيب أن يفيق من هذا الضلال والتزييف؟
`}لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}` – النحل: 25. 1 .التضليل بالقول إن الثورة “مصنوعة”:
ارجعوا إلى تاريخ الثورات: أسبابها وعواملها وظروفها. أنتم أوجدتم ظروفها، ثم تقولون إن الثورة مصنوعة! عجباً، كأنكم لم تفسدوا ولم تسرقوا ولم تنهبوا أموال الدولة، بل وصل فسادكم إلى أرصدة الناس في البنوك، فيقف الناس في صفوف طويلة ليحصل صاحب الوديعة على جزء قليل جداً مما يريد سحبه.
وكأنكم لم تعتقلوا وتعذبوا وتقتلوا وتشردوا الناس… كأنكم أقمتم العدل ودولة القانون والمساواة والعيش الكريم. وكأن في فترة حكم لم تكن هناك أزمات مياه حتى في العاصمة، وأزمة كهرباء، وأزمات غاز ومواصلات… إلخ.
`}يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}` – غافر: 52.
إن الثورة في السودان كانت تتويجاً لتراكمات طويلة من المقاومة المدنية السلمية التي تعاملتم معها بالقمع والقتل والاعتقال وكبت الحريات، وإرجاع المسافر من المطار، وتكميم الأفواه، وإيقاف الصحف ومصادرتها حتى لو قالت نصف الحقيقة. (في يوم واحد أوقفتم 14 صحيفة يومية سياسية: 15/2/2014)، وتسع صحف يومية في (25/5/2015).
ومع كل ذلك القمع والإرهاب خرجت مظاهرات ضدكم: في بورتسودان في 29/1/2005، وفي الخرطوم 2012 و2013 والتي قتلتم فيها العشرات واعتقلتم المئات. لماذا يخرج الناس ليواجهوا الموت لولا أن الحياة ضاقت بهم نتيجة ممارساتكم؟ اتقوا الله. لا يقول مثل هذا الافتراء على ثورة الشعب من كان يخشى الله.
بدلاً من توظيف أموال الدولة لصالح الشعب، صرفتموها فيما لا يعنيه. صرفتم كثيراً من أموال الشعب في دعم الإرهاب وتمويل عملياته. وآويتم الإرهابيين الدوليين (مثل أسامة بن لادن وكارلوس)، وجلبتم لنا العقوبات الدولية التي دفع الشعب ثمنها.
تزعمون افتراءً أن الثورة مصنوعة، وفي عهدكم زاد التسول والهجرة وتدهورت العملة وارتفعت معدلات الفقر والجريمة وتردت الخدمات وانعدمت المعينات البسيطة في المستشفيات مثل الشاش والقطن.
وفي عهدكم ماتت طفلة في الولاية الشمالية بلسعة عقرب لعدم وجود المصل. وفي عهدكم أكلت أسر من بقايا الطعام في النفايات (7/1/2016).www.sudaneseonline وفي عهدكم جلس التلاميذ على الأرض وتحت سقف لا يقيهم شمساً ولا زمهريراً.
بينما بددتم أموال النفط ومليارات الدولارات من رسوم عبور الأجواء السودانية طيلة فترة حكم (صحف يوم: 1/7/2026). فسدتم أيما فساد، ثم تتحدثون عن الإسلام. ألا تستحون، أو من الله لا تخافون؟
2 .التضليل بعدم وجود بديل:
من جوانب التضليل تصويركم للشعب بأن الطرف الآخر ممثل الثورة هم يسار وشيوعيون وعلمانيون. وذلك في تغييب متعمد لوجود كتلة أكبر من الطرفين، مستقلة وليس لها علاقة بهما ولا بالأحزاب. وهي امتداد للشعب الذي أغلبه لا ينتمي للأحزاب.
لكنكم حصرتم خيارات الشعب في “نحن” أي الإسلامويين الذين تزعمون أنكم تمثلون الإسلام، و”الآخر” وهم “العلمانيون”. كأنكم تقولون: إن دعمتم الثورة فأنتم تدعمون العلمانية، وأن الإسلام في خطر.
الجانب الأول: يزعمون “أن الدين في خطر لو أبعد الشعب الإسلامويين من السلطة”. بينما هم ليس لهم علاقة بالدين بمعيار ممارساتهم في واقع امتد لأكثر من ثلاثين عاماً. قال عنهم د. عبد الوهاب الأفندي: “الحركة الإسلامية السودانية تحتاج لأسلمة”، و”إن لم تتب عما اقترفت يداها فلا مستقبل لها في السودان”، (صحيفة اليوم التالي: 22/8/2014 )
وقال البروفيسور حسن مكي: “لو أجرينا مقارنة بين الحركة الإسلامية والشيوعيين لبدا الشيوعيون وكأنهم ملائكة” (صحيفة الأخبار، الخرطوم: 21/8/2022).
أما الجانب الثاني: ففي الواقع توجد كفاءات من الأتقياء النزهاء ذوي الضمير الوطني، ليس لهم أي انتماء، وجاهزون باستراتيجياتهم ورؤاهم لإعادة بناء الدولة على أسس سليمة. هذا البديل المستقل ينقصه التفويض الشعبي فقط.
3 . التضليل بشرعية مجلس السيادة:
يتحدثون عن أن البرهان “رئيس مجلس السيادة”. مجلس السيادة ليس له سند شرعي. تشكل استناداً إلى وثيقة دستورية انتهت بانقلاب البرهان على أحد طرفيها. بانسحاب الطرف المدني ماتت الوثيقة تلقائياً، فأصبحت قانونياً لاغية وباطلة (Nil and Void).
أي وثيقة تقوم على طرفين إذا اختفى طرف منها انتهى العقد تلقائياً، تماماً مثل عقد الزواج بالطلاق. فهل يوجد في الدنيا عقد من طرف واحد؟
البرهان هو الآن قائد الجيش فقط. ليس هناك شرعية له كرئيس لمجلس السيادة ولا لأعضائه. والآن يريد أن يضيف لهذا التخبط “تعيين برلمان”. لا يوجد برلمان بالتعيين بكامل عضويته.
4. المؤتمر الوطني ليس حزباً سياسياً:
شكلوا حزباً باسم “المؤتمر الوطني” للتمويه. فالحزب السياسي كيان مدني، بينما هم جماعة مسلحة مارست العنف المنظم والدولة البوليسية، بحكم علاقتها بالإرهاب ودعمها له.
وفي استخفاف بالعقول نظموا انتخابات (2010 و 2015) للحصول على شرعية مزيفة. فالانتخابات لها شروط ومناخ سياسي وقانوني غير متوفر تحت نظامكم الشمولي السلطوي الذي يسيطر عليه حزب واحد. فتلك الانتخابات كانت ضياعاً لأموال الشعب، دراما ومسرحية تدعو للسخرية.
5 . تضليل الرأي العام العالمي:
كلف نظام البشير د. ديفيد هويل (David Hoile) مديراً للمجلس الأوروبي السوداني للشؤون العامة في لندن، لشن حملات علاقات عامة ونشر كتب دفاعية عن النظام في مواجهة ملف `ICCالمحكمة الجنائية الدولية ما بين 1993 إلى 2000(Farce Majeure & www.africabib.org) .
وتعاقد نظامكم مع مكتب `Eversheds LLP` البريطاني لمواجهة `ICC` ودفعت حكومة السودان 335 مليون دولار للولايات المتحدة عام 2020 نتيجة حكم قضائي لمشاركتكم في ضرب المدمرة الأمريكية كول عام 2000. كما دفعت سفارة السودان بواشنطن 239 ألف دولار لمحامين لرفع اسمكم من قائمة الإرهاب `ICIJ`.
هذا يعني أنكم تدفعون الشعب الثمن مرتين: مرة بارتكاب الجرائم وتبديد الأموال، ومرة بثمن دفاع المحامين عنكم. لو كانت أعمالكم حسنة لكانت صورتكم حسنة بدون تكلفة. لكنكم ترتكبون الفظائع ثم تسعون لتحسين صورتكم بأموال الشعب. هذا كذب ونفاق.
وحتى الآن واصلتم النهج نفسه: في منتصف يونيو 2026 ظهر وزير المالية جبريل إبراهيم في بورتسودان مبتسماً وهو يتفقد سيارات كهربائية للوزراء، وفي نفس الأيام مات مواطن عطشاً في قرية (التبون) بولاية النيل الأبيض (16/6/2026)، والمجاعة ضربت منطقة (دار الريح) بشمال كردفان (أخبار الصحف: 1/7/2026).
الآن تقدر الأموال السودانية المنهوبة والمهربة للخارج بنحو 100 مليار دولار، الناتجة عن التلاعب بعوائد الذهب والبترول ((www.sudaress.com في فترة النزاع الحالي. عن موقف الحكومة من قتل الطيران المصري المعدنين السودانيين داخل الأراضي السودانية: يا للخزي والعار. صمت الفريق أول عبد الفتاح البرهان أسبوعاً كاملاً. ثم تحدث بكلمات أسوأ من الصمت، فأشار إلى مصر بـ “جارتنا الشمالية دي…” ثم كال اللوم على الضحايا.
لكن أسأل البرهان: لماذا تسكت على قتل رعاياك بعدوان خارجي في بلدك؟ ألم يكن المفروض أن تهرع فوراً لمكان الحادث، وتوجه بنقل الجثامين والجرحى، وتصدر بياناً يدين المعتدي وتشكل لجنة تحقيق؟ ألم يكن المفروض أن ترفع شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية؟
هل لأن هذا القاتل يحمي وجودكم في السلطة بدون شرعية وعلى حساب دماء السودانيين الأبرياء؟ لكن اعلموا أن الله أقوى منكم، (إن الباطل كان زهوقاً).
قبل أيام استقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لفشله في تحقيق وعوده واتهامه بفساد محدود. استقال رغم أنه جاء بانتخابات ولم يرتكب جرائم. بينما عندنا الرئيس بعدما أوصلتنا جماعته إلى هذا الوضع الكارثي، يقول إنه يريد الترشح. مع أن وجودك غير شرعي: امتداد لنظام غير شرعي منذ 1989، عززته بانقلاب في 25/10/2021. أوردتم الشعب مورد الهلاك ثم تقولون ستترشحون؟
…} فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ{ هناك موجة قوية من الوعي تمثلت في ظهور شباب في مقاطع فيديو (لايفات) بلغة بسيطة يدعون السودانيين للانعتاق من هذا التضليل. من أمثلتهم الشاب “عبد الباقي دلدوم” (بقة) بمقاطع تنويرية جذابة ضد حملات التضليل.
وهناك شاب في ليبيا قال للبرهان: “أمشي جيب ناسك الـ في تركيا وقطر… هذه ليست حربنا”. وشاب نجا من ضربة الطيران المصري في مناجم الذهب قال بابتسامة ساخرة: “نحن نستاهل”، ثم بكى متحسراً على أنه لا قيمة له عند “حكومة السودان” تحت قيادة البرهان والكيزان.
إنها بداية الوعي وبداية نهاية التضليل … The game is over.
وأخيراً، لكي تعم “الاستفاقة” يجب صناعة وعي جمعي يعيد الثقة بين الناس. أيها المواطن، أنت لست ما تسمعه، بل أنت ما تختار أن تصدقه. لا تسمح للآخرين بتشكيل قناعاتك. والنصيحة العلمية: “اجعل عقلك سيداً، لا تابعاً… كن أنت من يفكر، وليس التفكير الذي يُفرض عليك”.
لكن نقول لهم: “تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت”. وأخيراً أقول للشعب السوداني الصابر المقهور المظلوم: لا تقنط من روح الله. فإن دعاء المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب.
`}وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}` – إبراهيم: 42(.
وأقول للمتعلمين الذين يدافعون عن هؤلاء “اللاإسلاميين”: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس…” الخامسة: “ماذا عمل فيما علم”. فقد وهبك الله نعمة العلم وستُسأل عنها: فهل دافعت بها عن الحق أم غير ذلك؟ }ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ{.
لن يستقر السودان طالما ظلت الحركة “اللاإسلامية” تصر على الحكم بالقوة وهي فاسدة ومستبدة وظالمة.
`…} إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}` – الأنعام: 21، يوسف: 23، القصص: 37.
وقال ابن تيمية: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة”.
تصرون أن تنازعوا الله في إرادته والشعب في رغبته، وتزعمون أن الثورة مصنوعة؟ افتراء ما بعده افتراء. إن كان لكم ذرة إحساس أو كنتم مسلمين حقاً وتريدون الخير لهذا الشعب، فاتركوه لخياراته بدون تضليل وكذب ونفاق وبدون أن تفرضوا أنفسكم عليه بالقوة.
ألم تتعظوا من عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب؟
`}لَقَدْ كَانَ فِي قَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}` – يوسف: 111.
للاستزادة، أنظر:
د. حسن الترابي: برنامج `شاهد على العصر` بقناة الجزيرة.
برنامج `الأسرار الكبرى` بقناة العربية: كشف خفايا البشير مع الإخوان – 29/12/2019.
المحبوب عبد السلام: “الحركة الإسلامية السودانية: دائرة الضوء.. خيوط الظلام” – القاهرة، 2009.
تقرير `The Sentry, 2018`و (Sudan’s Anti-Corruption Whitewash)
أما تفاصيل فساد اللاإسلاميين فذلك يحتاج لمجلدات…