تقارير

من قيسان إلى ود الماحي.. حكايات سودانيين فروا حفاة من نيران المواجهات

لم تترك المعارك في محافظة قيسان بإقليم النيل الأزرق للسودانيين سوى طريق الفرار، فخرجت أسر بأطفالها وأمتعتها القليلة تحت المطر والنيران، قبل أن تصل إلى ود الماحي، حيث وجدت مدارس مكتظة ومأوى محدودا وأوضاعا إنسانية تزداد قسوة.

وفي تقرير أعده مراسل الجزيرة هيثم أويت، بدت آثار الرحلة واضحة على وجوه النازحين الذين وصلوا إلى ود الماحي، بعدما قطعوا مسافات شاقة هربا من المواجهات. وقالت النازحة بحرية إنهم ساروا بأطفال صغار حفاة، من دون أحذية أو ملابس كافية. أما عائشة، فكانت تجربتها أشد قسوة، إذ اضطرت إلى حمل أطفالها والفرار بهم بين الأشجار ومسطحات المياه، في وقت كانت أصوات الرصاص تحيط بهم. وقالت المواطنة إن أسرتها أمضت يومين في العراء تحت المطر والبعوض والجوع، وسط إطلاق النار.

وتروي عائشة أن الرصاص كان يسقط بين الأشجار والقش الذي اتخذه النازحون مأوى، فيما كان الجميع يركضون وسط المطر بحثا عن مكان أكثر أمنا، رحلة لم تكن تعرف خلالها إلى أين تتجه، ولا متى تنتهي، قبل أن تصل إلى ود الماحي.

وبحسب التقرير، نزح أكثر من 12 ألف شخص من مدينة قيسان وحدها، فرارا من المواجهات بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جهة، وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية من جهة أخرى، في واحدة من موجات النزوح المتواصلة التي تشهدها البلاد.

وعبر قوارب نهرية، تواصلت حركة النازحين من قيسان إلى القرية السادسة بمحلية ود الماحي، حاملين ما استطاعوا إنقاذه من متاعهم. وهناك فتحت السلطات المدارس لاستقبالهم، ليتقاسموا ساحاتها وفصولها مع التلاميذ وسط موسم الأمطار وشح الخدمات.

مأوى تحت المطر

وتعكس أوضاع الوافدين السودوانيين محدودية الاستجابة أمام أعداد تتزايد باستمرار، في وقت تعاني فيه السلطات المحلية من نقص الموارد والخدمات الأساسية، ومن جانبه يقول محجوب الشيخ محافظ ود الماحي إن هناك نازحين في مناطق أخرى يعيشون في العراء تحت أغطية بلاستيكية صغيرة. وأوضح الشيخ أن الغطاء الواحد، الذي لا تتجاوز مساحته 4 أمتار في 4، قد يضم أكثر من 40 أو 50 شخصا من الأطفال والعجزة والرجال، في ظروف قاسية لا توفر حماية كافية من الأمطار، وتكشف اتساع الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

ولا تتوقف معاناة الفارين عند الوصول إلى مناطق النزوح، إذ ما تزال الحرب تدفع مزيدا من السودانيين إلى البحث عن ملاذات جديدة داخل البلاد وخارجها. وتقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن السودان يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم.

وفي مداخلة من جنيف، قالت المتحدثة باسم المفوضية يوجين بيون إن نحو 12 مليون شخص ما زالوا نازحين داخل السودان وخارجه، مشيرة إلى أن القتال المستمر منذ أبريل/نيسان 2023 يدفع السكان إلى النزوح مرارا، بعضهم للمرة الثانية والثالثة وأكثر.

وأشارت بيون إلى أن حجم الاحتياجات يتزايد ولا يواكبه الدعم الدولي، محذرة من أن ضعف التمويل يحد من قدرة المنظمات على تلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين. وأضافت أن دول الجوار، ومنها تشاد وجنوب السودان، تتحمل بدورها أعباء متزايدة.

وأكدت أن الوصول الإنساني يمثل تحديا موازيا للتمويل، بعدما تعرضت للهجوم قوافل تحمل مساعدات، فيما تواجه منظمات الإغاثة صعوبات في إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة، في ظل استمرار القتال. الأزمة تتسع
وأوضحت المتحدثة باسم المفوضية الأممية أن دارفور وكردفان تشهدان أشد مستويات القتال في الفترة الأخيرة، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيرة تستهدف مواقع مدنية ومناطق نزوح وقوافل إنسانية. وأكدت أن صعوبة الوصول إلى المحتاجين، إلى جانب نقص التمويل، تعرقل إيصال المساعدات.

وحذرت بيون من أن استمرار عجز المنظمات الإنسانية عن الوصول إلى النازحين سيؤدي إلى موجات نزوح جديدة، لأن السكان سيضطرون إلى التحرك مجددا بحثا عن الأمن والخدمات، وربما عبور الحدود إلى دول الجوار التي تواجه بدورها أزمات متراكمة.

وفي مقدمة الدول المتأثرة تبرز تشاد، بعدما استقبلت مئات الآلاف من الفارين من السودان.

وقالت المتحدثة الأممية إن نحو 940 ألف سوداني وصلوا إليها منذ عام 2023، فضلا عن نحو 400 ألف كانوا موجودين فيها قبل اندلاع الحرب.

وتواجه تشاد، وفق المتحدثة الأممية، ضغوطا متزايدة بسبب الفقر والتقلبات المناخية وموجات الحر ونقص التمويل، الأمر الذي أسهم في تفاقم مخاطر انتشار أمراض، بينها الكوليرا. وحذرت بيون من أن استمرار الوضع من دون دعم كاف يهدد حياة اللاجئين.

ولا تقتصر المخاطر على نقص الغذاء والمأوى والخدمات، إذ تحدثت المسؤولة الأممية عن انتهاكات يتعرض لها النازحون واللاجئون خلال رحلات الفرار، تشمل السرقة وقطع الطرق وممارسات عند نقاط التفتيش، مؤكدة ضرورة توفير ممرات آمنة لهم لأغراض إنسانية.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى