تقارير

ثقوب في خطّة المستشار: ماذا بعد الهدنة؟

عارف الصاوي
في يوم 26 يونيو الماضي، قدَّم مسعد بولس المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترمب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، خطاباً أمام مجلس الأمن الدولي بخصوص السودان، عرَض فيه ما سَمّاه تصوّراً يقود في النهاية إلى إحلال السلام وتأسيس حكومة مدنية ديمقراطية.

ترتكز خطّة المستشار مسعد بولس على سلسلة من المراحل الأساسية: هدنة إنسانية شاملة على مستوى البلاد، وآلية تنفيذ ومراقبة وإشراف، ودفع المسار المدني، ووضع أسس للانتقال الديمقراطي المدني الشامل، ومعالجة الدعم الخارجي ومنع تدفق الأسلحة، والمساءلة وزيادة التكلفة على مُعرقِلي السلام. تبدو هذه المراحل متصلة ومتدرجة، لكنها في واقع الأمر موزّعة في مسارات ثلاثة يتحدّث كلّ منها بلغة مختلفة وربما يسعى إلى هدف مختلف: مسار إنساني، ومسار أمني، ومسار سياسي.

تعتمد هذه الخطة بشدّة على الولايات المتحدة الأمريكية ومدى استعدادها للاستثمار في خطة طويلة الأمد في السودان، لكنها أيضاً تحتاج لأن تجمع تحالفاً إقليمياً ودولياً واسعاً يتفق على الأهداف النهائية للتصور الأمريكي ويدفع أموالاً طائلة مستمرة لعدة سنوات تحت إطار العمليات الإنسانية.

نعرف الآن أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، قد أعلنت ضمن استراتيجيتها للأمن القومي (نوفمبر 2025)، أنّ سياستها الخارجية ستقوم على أساس التجارة بدلاً من المساعدات: «ينبغي على الولايات المتحدة أن تنتقل من علاقةٍ تركّز على المساعدات مع أفريقيا، إلى علاقةٍ تركّز على التجارة والاستثمار، مع تفضيل الشراكات مع دول قادرة وموثوقة وملتزمة بفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الأمريكية». وهي استراتيجية تضع أمريكا أولاً في أي صفقة أو وساطة أو تدخُّل لحلّ أي مشكلة في العالم. برغم ذلك، قال مسعد بولس في تصريحات سابقة، إنّ المصلحة الوحيدة للولايات المتحدة في السودان هي المساعدة في إنهاء أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم. لا تجارة، لا بزنس، إنما الضمير الإنساني فقط!

بهذه المعطيات، قدّم المستشار الأمريكي مقترَحاً إلى الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع، رُوِّج له على نطاق واسع بأنه حول اتفاق هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر. خلال هذه الفترة يأمل المستشار، وسلاحُه الوحيد «العقوبات»، أن يوافق طرفا الحرب على هدنة إنسانية غير مشروطة، يتبعها تكوين آلية مدعومة من الأمم المتحدة للتنسيق والإشراف على التسليم الفوري وغير المشروط للمساعدات الإنسانية عبر الحدود وخطوط النزاع، لا سيّما المدن المهدّدة بالحصار مثل الأبيض. بعد أن يحصل المستشار على موافقة أطراف النزاع – غير المشروطة – على اتفاق الهدنة، لا بدّ له أن ينال موافقة المانحين على وضع الموارد اللازمة لتمويل أكبر عملية إغاثة في العالم وربما الأكثر صعوبةً وتعقيداً من حيث التكلفة والنقل والتأمين.

يقترح المستشار تكوين آلية دولية هي التي ستشرف وتنسّق عملية المساعدات الإنسانية، لكنّها يجب أن تحصل على حزمة تفويض متكاملة من الحماية إلى الوصول إلى الحركة. لا أحد يعرف ما يلي ذلك، لكن كل من يعرف قدراً قليلاً عن الطرق ومسارات الحركة في السودان حالياً يعرف أنّ ثلاثة أشهر، وهي أمَد الهدنة المقترح، ستكون أقلّ كثيراً من المدة التي يقتضيها إيصال مساعدات إنسانية تحدث فرقاً حقيقياً.

يبدو أنّ مقترح المستشار يقوم على استدراج اللاعبين في السودان إلى هدنة، وقف إطلاق نار، عملية سياسية تقود إلى حكومة مدنية ديمقراطية، يعيش السودان بعدها في أمن وأمان، ليضاف ذلك إلى سجلّ الرئيس دونالد ترمب في إنهاء الحروب.

ضمن حديثه عن مراحل مقترحه قال بولس في خطابه هذا: «الآن هناك طريق واضح للسلام، يبدأ بالهدنة الإنسانية الوطنية التي قدّمناها للأطراف مراراً وتكراراً. يضمن نصّ الهدنة وصولاً إنسانياً مستداماً وغير مقيّد عبر خطوط النزاع والحدود، ويمهّد للتفاوض والوصول إلى وقف إطلاق نار دائم، ولخلق بيئة للحوار الحقيقي والشامل. لكنّ هذا قد رُفِض مراراً من قِبَل هذا المجلس السيادي، وصولاً إلى رفضه نصّنا الأخير هذا الصباح».

معلّقاً على رسالة الخطاب وما تضمّنه من حديث عن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على «الطرفين»، وعلى السودان «لاستخدامه أسلحة كيميائية»، رأى نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، خالد عمر يوسف، أنّ بولس يُحمّل مجلس السيادة والقوات المسلحة «مسؤولية إعاقة الجهود الدولية لإحلال السلام في السودان»، وأضاف قائلاً: «إنّ هذا التوجّه جادّ، ويعبّر عن نفاد الصبر في مواجهة غياب الإرادة لوقف الحرب».

إنّ احتفاءَ سياسيٍّ سودانيٍّ بنفاد الصبر الأمريكي إزاء السودان يُفصِح عن جهل عظيم بما يعنيه التدخّل المتهوّر، عديم الصبر، في نزاع معقّد، أكثر ما يحتاجه هو الصبر والدراسة والتأنّي والمعرفة العميقة بظروف السودان. مثلما يفصح السعي إلى الزجّ بحرب السودان داخل سياق النزاعات الإقليمية، دون معرفة دقيقة، عن تجاهل لمدى ما يحمله ذلك خطورة، وما سيضيف من تعقيد على وضع معقّد سلفاً. هذا ما سعى إليه خالد عمر يوسف، في مقال نشرته «واشنطن إكزامينر Washington Examiner»، في 23 يوليو الجاري، عنوانه الرئيس «الإخوان المسلمون فتحوا الباب لإيران، يستطيع ترمب أن يغلقه». لقد ربط خالد ربطاً لا فكاك منه، بين ما يجري في باب المندب ومضيق هرمز ومضايقات إيران في المنطقة، وما يجري في السودان، ذاهباً أولاً إلى أنّ الإخوان المسلمين أدّوا دَوراً رئيساً في حرب السودان، ليس سعياً منهم إلى السُّلطة، وإنما إلى مشروع توسّعيّ إقليميّ يتحالف استراتيجياً مع إيران. ويَخلص خالد في مقاله إلى أنّ السودان بالنسبة لإيران خيار استراتيجي لا يمكن تجاوُزه في إطار مجهوداتها للتوسّع في أفريقيا وربما على الولايات المتحدة أن تغلق هذا الباب مرةً وإلى الأبد.

يُشكّك هذا التصوّر كثيراً في مدى جدّية السياسة الخارجية الأمريكية المتعلّقة بالسودان، فترمب نفسه اعترف بأنّه لم يكن مهتماً بالسودان حتى همَس له الأمير الغنيّ محمد بن سلمان بخبره.

لا جدال في أنّ للولايات المتحدة نفوذاً جبّاراً من حيث القوة العسكرية والمال، لكنها فقدت ميزةً مهمةً أهَّلتها في الماضي لتؤدي دَوراً محورياً في فضّ النزاعات، وهي قدرتها على نسج تحالفات إقليمية ودولية. بفقدان هذه الميزة، وظهورها المتكرّر لاعباً منفرداً يُقدّم المصلحة الأمريكية فوق كلّ اعتبار آخر، تراجعت ثقة حلفائها وانتكست نتائج تدخّلاتها المتهوّرة.

إنّ الغطاء المهمّ الذي توفّره جهات محلية وإقليمية ودولية للتدخّل الأمريكي المتعجّل في مسألة السودان هو الأزمة الإنسانية الطارئة التي سبّبتها الحرب، وهي قطعاً في تزايُدٍ مستمرٍّ استحقّت به أن تكون أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم اليوم. في الجانب الآخر، هناك لاعبون إقليميون مهمّون متورّطون في مسألة السودان، ولهم مصالح مستمرة في الحرب وفي ترتيبات ما بعد الحرب. تتمتّع بعض الأطراف الإقليميّة بنفوذ واسع داخل إدارة دونالد ترمب، مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ونسبياً مصر. تربط بين الولايات المتحدة وهذه الدول ملفاتٌ أخرى غير السودان، ربما أكثر أهميةً من السودان من حيث حجم البزنس، لذلك تحاول الولايات المتحدة ألّا تثير غضب أيّ طرف من الأطراف في ما يتعلق بالسودان. حاولت الولايات المتحدة أن تعمل مع المملكة العربية السعودية منذ الأيام الأولى للحرب عبر تأسيس منبر جدة الذي تفرَّع إلى مبادرات ومنابر متعددّة؛ من لدنّ الإيقاد والاتحاد الأفريقي، حتى وصلنا إلى الرباعية ثمّ الخماسية، وبيان مجموعة السبع في 19 يوليو الجاري، وما إلى ذلك. الآن عادت الولايات المتحدة إلى عادتها وانفردت بمقترح، مع احتفاظها بمقعدها في جميع المجموعات.

يبدو أنّ اتفاق الهدنة الإنسانية هو المفتاح الأساسيّ لبقية خطّة المستشار التي لن تجدها في وثيقة واحدة مفصّلة، وإنما هي مبعثرة في مقابلات صحفية وتصريحات وبيانات هنا وهناك. لكن، على غير ما يبدو من أنّ هذا الاتفاق هذا هو أمر سهل ويمثّل الحلّ السحريّ لفتح الشهية للتفاوض، تمثّل المطالبة بالهدنة الإنسانية غير المشروطة بدايةً لسلسلة من الإجراءات تقع مسؤوليتها على عاتق آليات غير محدّدة وما زالت في رحم الغيب، مثل الآلية المقترحة للإشراف وتنسيق تسليم الإغاثة.

ما زال المستشار في مرحلة النداء إلى الأطراف الدولية والإقليمية، بما في ذلك تلك المتورّطة في الحرب، لتنسيق جهود حماية المدنيّين بخاصة في مدن مهدّدة بالحصار مثل الأبيّض التي يُشتبه بأنها في طريقها إلى مصير الفاشر. رغم أنّ قوات الدعم السريع وحكومة تأسيس جدّدت دعمها لاتفاق الهدنة الإنساني، لكنه دعمٌ تحيط به من الناحية النظرية والعملية سلسلةٌ من الشروط تبدأ بالاعتراف الدولي بهذه الحكومة، وأن تكون لها صلة بتوزيع الإغاثة والاستفادة من الممرّات الإنسانية الآمنة.

في هذه الحالة، فإنّ الهدنة الإنسانية تبدو فرصةً مؤقّتة للطرفين، إن وافَقَا، لإعادة التموضع العسكري وإقرار واقع حربي جديد ما داما يعرفان حقّ المعرفة صعوبة الخطوة التالية للهدنة في أي نزاع. إذْ لم تعد قوات الدعم السريع تسوّق نفسها كقوّة متمرّدة على الدولة، وإنما كدولة موازية لها حكومة وسلطة وجيش، وشعب تحت سيطرتها؛ شاء أم أبى. بهذا تسوِّق قوات الدعم السريع نفسَها كقوة أساسية في جميع المسارات الثلاثة التي ناقشها مؤتمر برلين في أبريل 2026، وأقرّتها الخماسية، وتضمّنتها «خطة بولس» للسودان: حينما يتعلّق الأمر بالترتيبات السياسية، فإنّ قوات الدعم السريع حاضرة باعتبارها قوة سياسية مؤسَّسة في تحالف تأسيس السودان. وحينما يتعلّق الأمر بالمسارات الإنسانية وتسهيل الإغاثة، فهي حاضرة كحكومة أمر واقع لها مؤسّسات وسلطات محلية تنتظر تدفّق الإغاثة، أما في مسار الترتيبات الأمنية ووقف إطلاق النار الدائم، فهي عنصر أساسيّ بحسبانها قوّة عسكرية تطمح في أن تكون مكوِّناً أساسيّاً في جيش جديد لَنْج.

لا تحمل قوات الدعم السريع مشروعاً سياسياً، وإن كان خطابُها يقوم على محاربة الإسلاميين، وربما اجتثاثهم من السودان. في حربها الشرسة ضد الإسلاميين، لم تُميِّز بين مدني وعسكري ولا بين صديق وعدوّ، وعجزت – ربما لم تَشَأ – عنْ جلب السلام إلى المدن التي تسيطر عليها سيطرة كاملة. وهي تتعامل مع القوات المسلحة كمليشيا للإسلاميين، وترى في الفريق البرهان قائد الجيش لعبةً في يد الإسلاميين ولا قرار له. بهذا، لا ترى قوات الدعم السريع مستقبلاً لعمليةِ ترتيباتٍ أمنية تنتهي إلى دمج وإعادة دمج، وإنما، كما قال محمد حمدان دقلو العام الماضي، وكرّرها نصر الدين عبد الباري في مؤتمر صحفيّ مع وفدٍ لتحالف تأسيس بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في يونيو الماضي: «نسعى إلى تكوين جيش جديد».

لا يحمل المستشار مسعد بولس خطةً للسودان، لكنه يقترح اتفاقَ هدنةٍ غير مشروط، يُوافق عليه الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. على هامش هذا الاقتراح، يؤيّد المستشار مساراً سياسياً تتوسَّط فيه الآلية الخماسية «الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي»، لفتح مسار للحوار السياسي بين المدنيّين. بالفعل، دَعَت الآلية الخماسية إلى عدة اجتماعات للكتل السياسية، كان آخرها في يوم 26 يوليو الجاري، لحضور اجتماع يوم 31 يوليو. ترى قوى إعلان المبادئ السودانية، وهي تكتّل يضمّ التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، إلى جانب حركة تحرير السودان «جناح عبد الواحد محمد نور» وحزب البعث العربي الاشتراكي، أنَّ دعوة الآلية الخماسية الحالية تمثّل استمراراً لنهجٍ يتجاوز القضايا الجوهرية التي ينبغي معالجتها قبل بدء أيّ عملية سياسية، فهي تتصوّر أنه يجب وقف الحرب أولاً ومن ثمّ الاتفاق على أسس العملية السياسية وأطرافها.

هكذا، نجد أنفسنا أمام مسارات منفصلة، لكنها متصلة مع بعضها البعض: مسار إنسانيّ عبر الهدنة، ومسار ترتيبات أمنيّة لا أحد يعلم ما هي مبادئه، ومسار سياسيّ لا أحد يتّفق على أيّ أمرٍ حوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى